غرينلاند في قلب التنافس الدولي: اتفاق أمني يعيد رسم التوازنات الاستراتيجية في القطب الشمالي

greenland
غرينلاند في قلب التنافس الدولي: اتفاق أمني يعيد رسم التوازنات الاستراتيجية في القطب الشمالي

بقلم بريت شابيل (مصرفي أمريكي مقيم في الدنمارك)

يتجاوز الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند حدود التعاون الدفاعي التقليدي، ليشمل الاستثمارات الاستراتيجية والموارد الطبيعية ومستقبل السيادة، في تحول يعكس احتدام التنافس الدولي على منطقة القطب الشمالي.

في مارس 2025، تناولتُ في مقال بعنوان «غرينلاند والقوى الكبرى ورقعة الشطرنج في القطب الشمالي» تجدد الاهتمام الأميركي بالجزيرة، وسط تصريحات أثارت جدلاً واسعاً بشأن السيادة والنفوذ والأمن الإقليمي.

وانطلقتُ آنذاك من فرضية أساسية مفادها أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لحماية مصالحها الاستراتيجية، إذ تمتلك منذ عقود إطاراً قانونياً وعسكرياً يتيح لها حضوراً دفاعياً واسعاً، مع الحفاظ على السيادة الدنماركية.

واليوم، وبعد سلسلة من التوترات الدبلوماسية، يكشف الاتفاق الجديد بين واشنطن وكوبنهاغن ونوك عن تحول يتجاوز القواعد العسكرية ليشمل الاستثمارات الأجنبية والبنية التحتية الحيوية والموارد الطبيعية، وصولاً إلى مستقبل غرينلاند الدستوري وعلاقتها بحلف شمال الأطلسي.

جذور الحضور الأميركي

يعود الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بغرينلاند إلى ما قبل تأسيس حلف شمال الأطلسي، نظراً إلى موقعها الجغرافي بين أميركا الشمالية وأوروبا، وأهميتها في مراقبة المجال القطبي.

وقد أرست اتفاقية الدفاع لعام 1951 الأساس القانوني لهذا الوجود، إذ منحت واشنطن حقوقاً واسعة لإنشاء مناطق دفاعية متفق عليها وتشغيلها، مع التأكيد على استمرار السيادة الدنماركية.

ثم جاءت اتفاقية إيغاليكو لعام 2004 لتعكس التحولات الدستورية التي شهدتها غرينلاند، ولا سيما حصولها على الحكم الذاتي الداخلي عام 1979، وتوسيع صلاحياتها عام 2009، ولتعزز دور سلطاتها في المشاورات المتعلقة بالمنشآت العسكرية الأميركية.

ولا تزال قاعدة بيتوفيك الفضائية تؤدي دوراً محورياً في الإنذار المبكر من الصواريخ ومراقبة الفضاء والدفاع عن أميركا الشمالية وشمال الأطلسي.

وتؤكد هذه الخلفية أن التعاون العسكري الواسع لا يستلزم بالضرورة نقل السيادة أو فرض السيطرة السياسية.

القطب الشمالي: ساحة للتنافس بين القوى الكبرى

تكتسب غرينلاند أهمية متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية والمناخية التي تشهدها منطقة القطب الشمالي.

فروسيا تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة في المنطقة، فيما توسع الصين حضورها العلمي والتجاري والدبلوماسي، مدفوعة باهتمامها بالموارد الطبيعية والممرات البحرية والبنية التحتية.

كما يتيح تراجع الغطاء الجليدي فرصاً جديدة للملاحة واستغلال الموارد، رغم استمرار التحديات البيئية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، لم تعد غرينلاند مجرد موقع عسكري متقدم، بل أصبحت عنصراً مهماً في التنافس على المعادن الاستراتيجية وشبكات الاتصالات والممرات البحرية.

غير أن هذه الاعتبارات الأمنية، على أهميتها، لا تعني أن حماية المصالح الأميركية تستلزم امتلاك الجزيرة أو الانتقاص من الحقوق السياسية لسكانها.

السيادة وحق تقرير المصير

تتمثل إحدى أبرز إشكاليات النقاش الدولي في التعامل مع غرينلاند باعتبارها مساحة جغرافية ذات أهمية استراتيجية، دون إيلاء الاهتمام الكافي لمؤسساتها السياسية وتطلعات سكانها.

فالجزيرة تتمتع بحكومة وبرلمان وصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، فضلاً عن حق معترف به في تقرير مستقبلها السياسي.

ورغم احتفاظ الدنمارك بمسؤوليات الدفاع والسياسة الخارجية، فإن مشاركة نوك في الاتفاق الجديد تعكس واقعاً دستورياً يختلف جذرياً عن الظروف التي سادت عام 1951.

وقد أكدت الحكومة الدنماركية أن الاتفاق يصون سيادة المملكة وسلامة أراضيها، ويحترم حق سكان غرينلاند في تقرير المصير.

لكن المسألة تتجاوز السيادة القانونية إلى السلطة الفعلية في اتخاذ القرار. فمن يملك حق الموافقة على إنشاء منشآت عسكرية جديدة؟ وهل تستطيع السلطات المحلية رفض مشاريع تعتبرها واشنطن ضرورية لأمنها القومي؟

وتزداد حساسية هذه التساؤلات عندما تتداخل المتطلبات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتنموية.

توسيع الوجود العسكري الأميركي

يوسع الاتفاق الجديد نطاق الوجود العسكري الأميركي مقارنة بالترتيبات السابقة.

فإلى جانب قاعدة بيتوفيك، أصبحت منطقتا نارساسواك وميسترسفيغ منطقتين دفاعيتين إضافيتين، مع إرساء آلية تتيح الاتفاق على مواقع أخرى وإقامة منشآت غير مأهولة خارج المناطق المحددة.

ومع ذلك، لا يمنح الاتفاق واشنطن حقاً أحادياً في إنشاء قواعد جديدة، إذ يتطلب ذلك إجراء مشاورات والتوصل إلى اتفاق متبادل بشأن التنفيذ.

لكن الصلاحيات العملياتية الممنوحة للولايات المتحدة تظل واسعة، وتشمل تحليق الطائرات العسكرية الأميركية وهبوطها في أنحاء غرينلاند، فضلاً عن إتاحة وصول واسع للسفن الحكومية الأميركية إلى مياهها الإقليمية.

ويعكس ذلك انتقالاً من نموذج يرتكز على قواعد محددة إلى منظومة أكثر مرونة للانتشار والمراقبة والتحرك العسكري في القطب الشمالي.

الاستثمارات الأجنبية: البعد الاستراتيجي الأهم

إذا كانت القواعد العسكرية تستحوذ على الاهتمام الإعلامي، فإن الأحكام المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية قد تكون الأشد تأثيراً في مستقبل غرينلاند.

فالجزيرة تمتلك موارد معدنية مهمة، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة في الموانئ والمطارات والطاقة والاتصالات والتعدين والنقل.

ويربط الاتفاق الجديد بصورة أوثق بين الاستثمار واعتبارات الأمن القومي.

فغرينلاند تحتفظ بمسؤولية تطبيق قوانين فحص الاستثمارات، لكن يمكن فرض قيود على المستثمرين من دول لا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي أو الدول الشريكة له أو الاتحاد الأوروبي، لمنعهم من السيطرة على قطاعات حيوية أو اكتساب نفوذ كبير فيها أو الوصول إلى معلومات حساسة.

كما يتعين على الدنمارك التشاور الوثيق مع الولايات المتحدة، فيما تتطلب الاستثناءات من بعض القيود موافقة الأطراف المعنية.

وتكمن أهمية هذه الأحكام في الطبيعة المزدوجة للبنية التحتية الحديثة؛ فالميناء التجاري قد يخدم العمليات العسكرية، والمطار المدني قد يكتسب أهمية دفاعية، بينما تمثل الكابلات البحرية والمعادن الاستراتيجية عناصر أساسية للأمنين الاقتصادي والعسكري.

وبالتالي، فإن إدراج الاستثمارات ضمن الترتيبات الأمنية قد يؤثر في قدرة غرينلاند على تنويع شراكاتها الاقتصادية وتحديد أولوياتها التنموية.

وهنا يبرز أحد أهم تحولات الاتفاق: الانتقال من تنظيم الوجود العسكري إلى التأثير في القرارات الاقتصادية والاستراتيجية.

الاستقلال المستقبلي والتزامات الناتو

من أكثر أحكام الاتفاق إثارة للنقاش عدم تحديد مدة زمنية لسريانه، واشتراط الموافقة المتبادلة لتعديله.

والأهم أنه يتضمن التزاماً من الدنمارك وغرينلاند بضمان استمرار عضوية غرينلاند في حلف شمال الأطلسي إذا نالت استقلالها مستقبلاً، وتوليها الحقوق والالتزامات المنصوص عليها في الترتيبات الدفاعية القائمة.

ويثير ذلك تساؤلات قانونية وسياسية بشأن مدى إمكانية تحديد الخيارات الأمنية لكيان قد يصبح دولة مستقلة.

فالاستقلال لا يتعارض بالضرورة مع الانضمام إلى التحالفات الدفاعية، لكن استمرار الالتزامات السابقة يستدعي بحثاً في طبيعة الموافقة السياسية وحدود ممارسة حق تقرير المصير.

كما لا يمكن فصل أمن غرينلاند عن المنظومة الدفاعية الأطلسية، نظراً إلى أهميتها في الإنذار المبكر والمراقبة البحرية والدفاع الجوي وتأمين الاتصالات بين أوروبا وأميركا الشمالية.

ومع ذلك، تختلف أولويات الأطراف؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز أمنها الاستراتيجي، والدنمارك إلى التوفيق بين سيادتها والتزاماتها الأطلسية، فيما تطمح غرينلاند إلى توسيع استقلالية قرارها وتحقيق التنمية الاقتصادية.

النفوذ الاستراتيجي يتجاوز امتلاك الأرض

تكمن الأهمية الجيوسياسية للاتفاق في جمعه بين ملفات كانت تُناقش سابقاً بصورة منفصلة: الوجود العسكري، والبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، والاستثمارات الأجنبية، والموارد الطبيعية، ومستقبل غرينلاند الدستوري.

فهو لا يمثل مجرد تحديث لاتفاقيات دفاعية قديمة، بل محاولة لإرساء منظومة أمنية طويلة الأمد في منطقة باتت تحتل موقعاً متقدماً في التنافس بين القوى الكبرى.

وقد أثبتت التجربة التاريخية إمكانية التوفيق بين المصالح الدفاعية الأميركية والسيادة الدنماركية والتطور السياسي لغرينلاند. غير أن الاتفاق الجديد يذهب أبعد من ذلك، من خلال توسيع الحضور العسكري وإخضاع بعض القرارات الاستثمارية لاعتبارات أمنية مشتركة.

وفي عالم تتداخل فيه مقتضيات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، لم يعد السؤال الأساسي من يمتلك غرينلاند، بل من يمتلك القدرة على التأثير في خياراتها الاستراتيجية.

فالقوة الجيوسياسية لم تعد تُقاس بالسيطرة على الأراضي وحدها، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في القرارات المتعلقة بالموارد والاستثمارات والبنية التحتية والأمن.

وهذا هو التحول الذي يجعل من غرينلاند إحدى الساحات المحورية في إعادة تشكيل موازين القوى في القطب الشمالي.

تشهد المنطقة تبادلاً خطيرًا للتهديدات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، …

منذ أن قرّر المجلس الفدرالي المضيّ قدمًا في صفقة شراء مقاتلاتF-35  الأمريكية، لم يهدأ الجدل …

بين إعادة إعمار سوريا وتخفيف قبضة طهران على المنطقة، تتحرّك دول الخليج بخطوات محسوبة لترسيخ …

أثار اتّفاق السلام الذي تمّ بوساطة أمريكية بين أرمينيا وأذربيجان، والموقّع في واشنطن في 8 …

Scroll to Top