تعيين فاطمة الزهراء المنصوري: المغرب يشهد أول امرأة على رأس الحكومة

118611
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري: المغرب يشهد أول امرأة على رأس الحكومة

بقلم سيباستيان بوسوا، أستاذ جامعي في العلوم السياسية

هذه المرة، لم يعد الأمر مجرد شائعة. فقد عيّن الملك محمد السادس، الثلاثاء 29 سبتمبر، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة، في خطوة تاريخية تضع، للمرة الأولى، امرأة على رأس السلطة التنفيذية في المملكة.

قبل أسابيع قليلة، كان هذا السيناريو قد يبدو جريئاً، وربما مستبعداً. غير أن فوز حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر جعله احتمالاً متزايداً. لذلك، لم يكن تعيين المنصوري في نهاية المطاف مفاجأة سياسية كاملة، إذ إن مسارها خلال السنوات الأخيرة كان يؤهلها تدريجياً لهذا الموقع، رغم المنافسة القوية مع فوزي لقجع، الوزير السابق ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

وقد غيّر فوز حزب الأصالة والمعاصرة موازين القوى السياسية. فبحصوله على 97 مقعداً من أصل 395 في مجلس النواب، حلّ في المرتبة الأولى، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعداً، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعداً.

وبموجب الفصل 47 من الدستور المغربي، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب. وهكذا بقي اختيار الشخصية التي ستتولى المنصب بيد الملك.

وخلال الأيام التي سبقت التعيين، برز اسما المنصوري ولقجع في صدارة الترشيحات. وبصفتها المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ووزيرة منذ خمس سنوات، وعمدة مراكش، بدت المنصوري من أبرز الشخصيات المؤهلة لرئاسة الحكومة. وكانت قد صرحت، غداة فوز حزبها، بأن تكليف الملك لها بهذه المسؤولية سيمثل بالنسبة إليها “شرفاً عظيماً”.

واليوم أصبح ذلك واقعاً.

بتعيينها، يفتح محمد السادس فصلاً جديداً في الحياة السياسية المغربية. لكن اختزال هذا القرار في رمزيته المرتبطة بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة سيكون تجاهلاً للجانب الآخر من المشهد. فخلف المرأة والوزيرة والعمدة والقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، تبلورت خلال السنوات الماضية شخصية سياسية تمتلك تجربة تنفيذية ومحلية تؤهلها لقيادة الحكومة.

من مراكش إلى الرباط: شرعية اكتسبتها من الميدان

لم تدخل فاطمة الزهراء المنصوري الحياة السياسية المغربية مع انتخابات 2026. فالمنصوري، المولودة في مراكش عام 1976 والمحامية بالتكوين، بنت جانباً مهماً من شرعيتها السياسية في مدينتها، التي ترأست مجلسها الجماعي للمرة الأولى بين عامي 2009 و2015، قبل أن تعود إلى رئاسته عام 2021.

وتكتسب هذه التجربة المحلية أهمية خاصة. ففي مشهد سياسي كثيراً ما ينتقد فيه المواطنون ابتعاد المسؤولين الوطنيين عن الواقع الميداني ــ وهي ظاهرة لا تقتصر على المغرب ــ تستطيع المنصوري الاستناد إلى خبرة مباشرة في الإدارة المحلية. وقد أصبحت مراكش، إلى حد بعيد، مختبرها السياسي وواجهة لإنجازاتها على المستوى الوطني.

وتبرز حصيلتها البلدية من خلال حجم المشاريع التي أُطلقت في المدينة: 423 مشروعاً باستثمارات مبرمجة تتجاوز 15 مليار درهم، بينها 311 مشروعاً تم إنجازه أو إطلاقه.

وشملت هذه التحولات النقل والطرق والمساحات الخضراء ومواقف السيارات والأمن والتجهيزات العامة، مع توفير 349 حافلة، وإنجاز أو تأهيل 130 كيلومتراً من الطرق و85 تقاطعاً، إلى جانب 7,200 موقف للسيارات و738 كاميرا للمراقبة وأكثر من 228 هكتاراً من المساحات الخضراء.

وهذه المقاربة المحلية تجد صداها اليوم في خطاب المنصوري على المستوى الوطني. فمنذ أشهر، تركز على ما تسميه «المغرب العميق»، وعلى معالجة التفاوتات المجالية وتعزيز القرب من المواطنين، وعلى ضرورة الانطلاق من الاحتياجات التي يعبّر عنها السكان في الميدان بدلاً من صياغة السياسات حصراً من الرباط.

كما وضعت تقليص الفوارق بين المناطق واستعادة ثقة الشباب في صلب المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في صورتها السياسية الوطنية: فهي قادرة على مخاطبة المدن الكبرى من دون أن تحصر خطابها في القضايا الحضرية، والدفاع عن التحديث مع مراعاة التوازنات الاجتماعية والمجالية للبلاد، وتقديم نفسها بوصفها ممثلة لثقافة سياسية تركز على النتائج أكثر من الخطاب الأيديولوجي.

وزيرة تستند إلى حصيلة حكومية

تتمثل نقطة القوة الثانية في تجربة المنصوري داخل حكومة عزيز أخنوش. فمنذ عام 2021، تولت حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.

وبالتالي، تصل إلى رئاسة الحكومة من دون الحاجة إلى التنصل من السنوات الخمس السابقة. وهذه ربما إحدى السمات اللافتة في مسارها السياسي الأخير: فحزب الأصالة والمعاصرة تحمّل مسؤولية مشاركته في الحكومة السابقة، لكنه طرح في الوقت نفسه فكرة الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة.

وخلال الحملة الانتخابية، شددت المنصوري مراراً على أن معركة 2026 يجب أن تكون، قبل كل شيء، معركة برامج وسياسات عامة.

ورفضت التنصل بصورة مصطنعة من تجربة الائتلاف الذي جمع التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، والذي كان حزبها جزءاً منه، مع سعيها في الوقت نفسه إلى تقديم عرض سياسي واضح وقابل للقياس بالأرقام والنتائج.

وبهذه المقاربة، أرادت أن يكون الاختلاف مع الشركاء السابقين قائماً على البرامج والمقترحات، لا على إعادة قراءة السنوات الخمس الماضية وفق مقتضيات اللحظة الانتخابية.

ويمكن للمنصوري الاستناد في ذلك إلى مجموعة من المؤشرات. فقد استفاد أكثر من 120 ألف شخص من برنامج الدعم المباشر للسكن، فيما شمل برنامج «مدن بدون صفيح» 81,809 أسرة خلال الولاية الحكومية، مع ارتفاع وتيرة معالجة الملفات إلى نحو 18 ألف أسرة سنوياً، مقارنة بنحو 6,200 أسرة بين عامي 2018 و2021.

ومنذ إطلاق البرنامج عام 2004، استفادت منه 384 ألف أسرة، فيما أُعلن عن 62 مدينة خالية من أحياء الصفيح.

وفي مجال التعمير، أصبحت 90 في المئة من الجماعات الترابية مشمولة بوثائق التعمير، وتمت المصادقة على 62 تصميم تهيئة خلال الولاية، مقابل 27 خلال الولاية السابقة.

كما تجاوز حجم الجهود المبذولة في إطار سياسة المدينة بنسبة 58 في المئة ما تم إنجازه خلال السنوات الإحدى عشرة السابقة، في حين يشمل برنامج المراكز القروية الصاعدة 36 مركزاً ونحو 479 ألف نسمة.

ولا تعني هذه الأرقام، بطبيعة الحال، أن المغرب نجح في معالجة جميع تحديات السكن أو التفاوتات المجالية أو التوسع العمراني. لكنها تمنح المنصوري، من الناحية السياسية، حصيلة يمكن الدفاع عنها، قائمة على سياسات عامة وميزانيات وبرامج ونتائج قابلة للقياس.

وتدافع المنصوري عن توجه سياسي واضح نسبياً يقوم على مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، مع إعطاء أهمية أكبر للتشغيل والقدرة الشرائية والاستثمار الخاص وريادة الأعمال لدى الشباب وتبسيط الإجراءات الإدارية والتحول الرقمي وتقليص التفاوتات المجالية.

تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة يعيد رسم المشهد السياسي

حُسم الآن أحد أبرز التساؤلات التي رافقت الحملة الانتخابية.

ففي انتخابات عام 2021، تصدّر التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش النتائج بحصوله على 102 مقعد في مجلس النواب، متقدماً على حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال.

وبعد خمس سنوات، تغير ميزان القوى.

فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال. وسجّل حزب العدالة والتنمية بدوره عودة مهمة إلى الساحة بحصوله على 54 مقعداً.

أما نسبة المشاركة، فبلغت نحو 38 في المئة، في مؤشر يعكس أيضاً استمرار حالة من عدم الثقة بالعمل السياسي لدى شريحة من المجتمع المغربي.

وبذلك، أثمرت استراتيجية حزب الأصالة والمعاصرة. فقد أعاد الحزب تنظيم نفسه حول قيادة جماعية أصبحت المنصوري منسقتها الوطنية عام 2024. ووضعه انتصار 23 سبتمبر في قلب المعادلة السياسية الجديدة، قبل أن يأتي تعيين المنصوري من قبل الملك محمد السادس ليكرّس هذا التحول.

لكن الفوز بـ97 مقعداً لا يمنح الحزب أغلبية في مجلس يضم 395 نائباً.

ومن هنا تبدأ ربما المهمة الأكثر تعقيداً أمام رئيسة الحكومة الجديدة: تحويل الانتصار الانتخابي والتكليف الملكي إلى أغلبية سياسية مستقرة وقادرة على الحكم.

وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد أكد، قبل التعيين، أنه لا يضع «خطوطاً حمراء» في مفاوضاته مع القوى السياسية الأخرى. وأصبحت المنصوري مطالبة الآن بإيجاد شركاء قادرين على دعم برنامج حكومي على مدى خمس سنوات، في ظل ارتفاع التطلعات الاجتماعية ودخول المملكة مرحلة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

أول امرأة على رأس الحكومة المغربية

هنا تكمن، بطبيعة الحال، الدلالة التاريخية لقرار 29 سبتمبر في الرباط.

فللمرة الأولى في تاريخ المغرب، تتولى امرأة رئاسة الحكومة.

وتحمل هذه الخطوة رمزية كبيرة، سواء داخل المملكة أو خارجها. فقد عرفت الحياة السياسية المغربية وزيرات وبرلمانيات ورئيسات مجالس جماعية ومسؤولات عن مؤسسات وقيادات حزبية، لكن لم يسبق لامرأة أن وصلت إلى رئاسة الحكومة.

غير أن الرمزية، مهما كانت أهميتها، ستفسح المجال سريعاً أمام واقع ممارسة السلطة ومسؤولياتها: تشكيل أغلبية برلمانية، وإدارة التوازنات بين مكونات الائتلاف، والاستجابة للتطلعات الاجتماعية، ومواصلة المشاريع والاستثمارات الكبرى، والاستعداد لكأس العالم 2030، وقبل كل ذلك محاولة الحد من الفوارق المجالية والجيلية التي يواجهها المغرب.

وفي سن الخمسين، تدخل فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة وهي تحمل تجربة طويلة في الإدارة المحلية، وخمس سنوات من العمل الوزاري، وحضوراً راسخاً داخل حزبها.

ويعكس وصولها أيضاً جانباً من التحولات الأوسع التي يشهدها المغرب: بلد يتجه بسرعة نحو التحديث، ويعزز طموحاته وحضوره الدولي، ويستثمر بكثافة في بنيته التحتية ومشاريعه الكبرى، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحدي ضمان توزيع أكثر توازناً لثمار هذا التحول بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.

قبل أيام فقط، كان السؤال المطروح هو: هل أصبح المغرب مستعداً لأن تتولى امرأة رئاسة حكومته للمرة الأولى؟

وجاء قرار الملك محمد السادس ليحسم الإجابة.

منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى رئاسة السلطة الإنتقالية، تعيش سوريا أزمات …

في خطوة دبلوماسية لم يكن أحد ليتوقّعها قبل أشهر فقط، وقّعت عشر دول عربية، بينها …

تتّجه الأنظار إلى جنيف يوم الخميس 26 فبراير، حيث ستُستأنف المحادثات غير المباشرة بين الولايات …

Scroll to Top