لم يعد مضيق هرمز مجرّد ممرّ بحري استراتيجي تمرّ عبره صادرات النفط والغاز، بل أصبح خلال العقود الأخيرة أحد أخطر بؤر التوتّر في العالم، بفعل السياسة الإيرانيّة القائمة على توظيف الجغرافيا البحريّة كأداة ضغط سياسي وأمني. فالمضيق الذي يشكّل شريانًا حيويًّا للاقتصاد العالمي تحوّل تدريجيًّا إلى مساحة مفتوحة للتهديدات العسكريّة والابتزاز الجيوسياسي، ما وضع أمن الطاقة العالمي أمام حالة دائمة من الهشاشة وعدم اليقين.
وفي كل مرّة تتصاعد فيها المواجهة بين إيران والغرب، يعود مضيق هرمز إلى واجهة الأزمة، ليس فقط بسبب أهمّيته الاقتصاديّة، بل لأنّ طهران جعلت منه جزءًا مركزيًّا في استراتيجيّتها للردع غير المتماثل، عبر التهديد المتكرّر بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه أو استهداف السفن العابرة.
من “حرب الناقلات” إلى سياسة فرض الفوضى
النهج الإيراني في التعامل مع الملاحة البحريّة ليس تطوّرًا حديثًا، بل يعود إلى مرحلة الحرب العراقيّة الإيرانيّة في الثمانينيّات، حين شهد الخليج العربي ما عُرف بـ”حرب الناقلات”. آنذاك، تعرّضت عشرات السفن التجاريّة وناقلات النفط لهجمات متكرّرة، في محاولة لتحويل الاقتصاد والطاقة إلى جزء من المعركة العسكريّة.
وخلال تلك المرحلة، اتُّهمت إيران باستهداف ناقلات مرتبطة بدول الخليج، وزراعة الألغام البحريّة، وتهديد حرّيّة الملاحة في الخليج العربي. وقد دفعت هذه الاعتداءات الولايات المتّحدة إلى التدخل العسكري المباشر لحماية السفن التجاريّة وإعادة تسجيل ناقلات نفط كويتيّة تحت العلم الأمريكي ضمن عمليّة “إرنست ويل”، في واحدة من أبرز عمليّات حماية الملاحة في التاريخ الحديث.
غير أنّ ما كان يُنظر إليه في ذلك الوقت كجزء من ظروف حرب إقليميّة، تحوّل لاحقًا إلى نمط دائم في السلوك الإيراني. فطهران لم تتخلَّ عن استخدام المضيق كورقة تهديد استراتيجيّة، بل جعلت منه أداة ثابتة في إدارة صراعها مع الولايات المتّحدة وحلفائها.
مضيق هرمز: ورقة ابتزاز جيوسياسي
تعرف إيران جيّدًا أنّ إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمر شبه مستحيل عمليًّا، كما أنّه سيضرّ باقتصادها وصادراتها النفطيّة قبل غيرها. لكنّها في المقابل تعتمد على استراتيجيّة مختلفة تقوم على خلق حالة مستمرّة من التوتّر وعدم الاستقرار.
فالهدف الإيراني ليس بالضرورة وقف الملاحة بالكامل، بل رفع مستوى المخاطر إلى حدّ يجعل الاقتصاد العالمي يعيش تحت ضغط دائم. ولهذا، تتكرّر عمليات احتجاز السفن، والتحرّش بالناقلات، وتنفيذ المناورات العسكريّة، وإطلاق التهديدات السياسيّة التي تجعل المضيق رهينة للتقلّبات الأمنيّة.
وبذلك، تتحوّل الجغرافيا البحريّة إلى وسيلة ابتزاز سياسي، تستخدمها طهران كلّما اشتدّت عليها العقوبات أو تصاعدت الضغوط المرتبطة ببرنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
وضمن هذا السياق، تبرز بين الحين والآخر تساؤلات حول إمكانيّة أن تقوم إيران بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز أو إخضاعها لشروط سياديّة خاصّة.
إلّا أنّ القانون الدولي البحري لا يمنح طهران هذا الحقّ. فمضيق هرمز يُعدّ ممرًّا دوليًّا يخضع لقواعد حرّيّة الملاحة و”ّحق المرور العابر” المنصوص عليه في اتّفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار، ما يعني أنّ السفن التجاريّة والعسكريّة تستطيع العبور دون إذن مسبق أو رسوم أحاديّة تفرضها دولة بعينها.
وأيّ محاولة إيرانيّة لفرض واقع جديد بالقوّة ستُعتبر تحدّيًا مباشرًا للنظام البحري الدولي، وقد تؤدّي إلى مواجهة واسعة مع القوى البحريّة الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتّحدة.
الولايات المتّحدة: منع سقوط المضيق تحت الهيمنة الإيرانيّة
تتعامل واشنطن مع أمن مضيق هرمز باعتباره جزءًا من الأمن الاستراتيجي العالمي، وليس مجرّد قضيّة إقليميّة. ولهذا حافظت الولايات المتّحدة لعقود على وجود عسكري كثيف في الخليج، مدعومًا بالأسطول الخامس وقواعد بحريّة وجوية منتشرة في المنطقة.
الهدف الأمريكي لا يقتصر على حماية تدفّق النفط، بل يتجاوز ذلك إلى منع إيران من تحويل المضيق إلى أداة سيطرة سياسيّة على الاقتصاد العالمي. ولهذا، تعتمد الولايات المتّحدة على مزيج من الردع العسكري، والتحالفات البحريّة، والمراقبة الاستخباراتيّة، وعمليّات حماية الملاحة.
كما تسعى واشنطن إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أنّ قواعد التجارة الدوليّة لا يمكن أن تخضع لمنطق الميليشيات أو التهديدات الإقليميّة.
الصين وأوروبا: اعتماد اقتصادي وصمت استراتيجي
المفارقة أنّ الصين وأوروبا تُعَدّان من أكثر الأطراف اعتمادًا على استقرار الملاحة في الخليج، لكنّهما في الوقت نفسه تفضّلان البقاء في موقع المتفرّج.
الصين، التي تستورد جزءًا أساسيًّا من احتياجاتها النفطيّة من الخليج العربي، تستفيد عمليًّا من المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة دون أن تتحمّل كلفة حماية هذه الممرّات. فهي تفضّل الحفاظ على علاقاتها الاقتصاديّة مع إيران ودول الخليج في آن واحد، وتتجنّب الانخراط في أيّ مواجهة مباشرة قد تهدّد مصالحها التجاريّة.
أمّا أوروبا، فرغم قلقها العميق على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، فإنّها تفتقر إلى استراتيجيّة بحريّة موحّدة قادرة على لعب دور مستقلّ وفعّال. لذلك تظلّ معظم التحرّكات الأوروبيّة محدودة التأثير وتعتمد عمليًّا على الحماية الأمريكيّة.
وهكذا، يجد العالم نفسه أمام معادلة غير متوازنة: الولايات المتّحدة تتحمّل العبء الأمني الأكبر، بينما تكتفي قوى اقتصاديّة كبرى بمراقبة الأزمة من بعيد، رغم أنّها ستكون من أكثر المتضرّرين في حال انفجار الوضع في الخليج.
في خلاصة الأمر، تحوّل مضيق هرمز من ممرّ بحري استراتيجي إلى رمز لحالة الاختلال الأمني في الشرق الأوسط. فبدلاً من أن يكون مساحة للتعاون الاقتصادي والاستقرار، أصبح رهينة لسياسات التصعيد الإيرانيّة التي تعتمد على التهديد والفوضى كورقة تفاوض ونفوذ.
ومع غياب موقف دولي أكثر حزمًا، واستمرار اعتماد الاقتصاد العالمي على هذا الشريان الحيوي، يبقى العالم معرّضًا في أيّ لحظة لهزّة استراتيجيّة قد تتجاوز حدود المنطقة لتطال النظام الاقتصادي الدولي بأكمله.