على مدى عقود، جسّدت ألمانيا واليابان نموذج القوّتين المدنيّتين: مركزيّتان اقتصاديّا، لكن مقيّدتان استراتيجيًّا وعسكريًّا لأسباب تاريخية. لقد كان استثمارهما المحدود في الدفاع هو ما أتاح لهما التركيز شبه الحصري على الأداء الاقتصادي والحداثة. وقد استندت علاقتهما بالقوّة المسلحة، المتأثّرة بعمق بإرث القرن العشرين، إلى توافق دولي غير معلن: لن يتكرّر ذلك أبدًا. وقد اعتُبر هذا التحفّظ طويلًا كضمانةٍ للاستقرار، وكان مندمجًا في نظام دولي يقوم على الردع الأمريكي، والتعدّديّة، والاعتقاد السائد بانتهاء منطق سياسات القوّة. غير أنّ ذلك العالم قد تلاشى إلى حدٍّ كبير، وتسارعت التحوّلات العميقة في النظام الدولي بشكل دراماتيكي منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
اليوم، عادت الحروب عالية الكثافة في أوروبا، وتصاعدت المنافسات في منطقة آسيا/ المحيط الهادئ، وتمّ خلط الأوراق بالكامل بسبب الانهيار التدريجي للنظام الدولي القديم. جميع الدول تعيد التسلّح. جميعها تنكفئ إلى الداخل. وجميعها تعيد إعطاء الأولويّة لحماية مواطنيها وأمنهم. في هذا السياق، ليس من العبث أن نرى ألمانيا واليابان تتولّيان مجدّدًا مسؤولية استراتيجية. بل هو تكيّف عقلاني مع بيئة آخذة في التدهور.
ينبغي قول ذلك بوضوح منذ البداية: التهديد الألماني والياباني بات من الماضي. لم تعد ألمانيا واليابان قوى مراجِعة، بل حليفين مركزيّين للديمقراطيات الليبرالية، مندمجين في أطر مؤسّسيّة صلبة، ومترابطين بمصالح وقيم واعتماد متبادل. إنّ إعادة تسلّحهما ليست خطوة إلى الوراء، بل تعديل استراتيجي ضروري، بما في ذلك بالنسبة للغرب.
إعادة التسلّح ضمن المظلّة الأمريكية
من المهم التوضيح أنّ هذا التحوّل لم يتمّ في مواجهة الولايات المتحدة، بل إلى حدٍّ كبير بموافقتها وبدفعٍ منها. ففي الحالة الألمانية، جاء إعلان “التحوّل التاريخي” عام 2022 بقيادة المستشار أولاف شولز في سياق الحرب الأوكرانية وتحت مظلّة حلف شمال الأطلسي. ولطالما طالبت واشنطن برفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، معتبرةً أنّ تقاسم الأعباء شرط لاستمرار المظلّة الأطلسية. وعليه، فإنّ تعزيز القدرات العسكرية الألمانية لا يمثّل خروجًا عن الإطار الغربي، بل إعادة توازن داخله.
أما في الحالة اليابانية، فالتحالف الأمني مع الولايات المتحدة قائم منذ 1951، وأيّ تطور في العقيدة الدفاعية لطوكيو يتم في تنسيق وثيق مع واشنطن، خصوصًا في ظل الصعود الاستراتيجي المتسارع للصين. بذلك، فإن إعادة تسلّح اليابان لا تعني تحرّرًا من المظلّة الأمريكية، بل انتقالًا إلى شراكة أكثر توازنًا في مواجهة تحدّيات إقليمية متصاعدة.
النظرة الفرنسية: بين الترحيب والحذر البنيوي
وفي هذا الأوان، تنظر فرنسا إلى إعادة بناء القوة العسكرية الألمانية بمزيج من الواقعية الاستراتيجية والحذر البنيوي. فمن جهة، ترى باريس أنّ أوروبا لا يمكن أن تبقى رهينة اختلال قديم جعل من ألمانيا عملاقًا اقتصاديًّا وقزمًا عسكريًّا، وأنّ تعزيز القدرات الألمانية يساهم في ترسيخ مصداقية الردع الأوروبي في مواجهة روسيا. ومن جهة أخرى، يطرح هذا التحوّل السؤال حول القيادة داخل الاتحاد الأوروبي. ففرنسا، باعتبارها القوّة النووية الوحيدة في الاتّحاد وصاحبة تقليد استراتيجي مستقلّ، لا تعترض على ألمانيا قويّة، لكنها تفضّل أن تتمّ هذه القوّة ضمن إطار تكاملي أوروبي منسّق، لا ضمن منطق أطلسي صرف أو هيمنة اقتصادية تتحوّل إلى تفوّق استراتيجي. المخاوف في باريس ليست تاريخية بقدر ما هي مؤسّساتيّة: قوّة ألمانية مندمجة في مشروع أوروبي مشترك تعزّز التوازن، أما قوّة ألمانية تتحرّك خارج هذا التنسيق فقد تعيد إنتاج اختلالات جديدة داخل القارّة.
ألمانيا مسلّحة وأوروبا أكثر مصداقية
في أوروبا منقسمة بعمق، تواجه روسيا عدوانيّة وانخراطًا أمريكيًّا أقلّ قابلية للتنبّؤ، لم يعد بإمكان ألمانيا أن تبقى قوة تحت وصاية استراتيجية. إنّ تعزيز جهدها العسكري سيزيد من مصداقية أوروبا، ويعيد توزيع الأعباء، وقد يُهمّش تدريجيًّا النزعات الوطنية المنعزلة. في هذا المشهد المتحوّل، ستكون ألمانيا الضعيفة مصدر اختلال. أما ألمانيا التي تستعيد قوّتها، فهي ركيزة حقيقية للاستقرار.
اليابان محور استراتيجي في مواجهة الصين
على الجانب الآخر من العالم، تسلك اليابان مسارًا مشابهًا في بيئة أكثر قسوة. فتعزيز طوكيو لقدراتها العسكرية يستجيب لتوازنات جديدة في شرق آسيا. اليابان لا تعود قوّة توسعية، بل تتحوّل إلى محور ردع إقليمي فاعل ومركزي في هندسة الاستقرار الآسيوي، في شراكة وثيقة مع واشنطن.
وهنا أيضًا، ينبغي ألّا تحجب الذاكرة التاريخية وضوح التحليل. فاليابان اليوم ديمقراطية ناضجة، متقدّمة تكنولوجيًّا، ومنخرطة بعمق في النظام الدولي. إنّ إعادة تسلّحها دفاعيًّا ليس استعدادًا لأيّ حرب؛ بل أنّ طوكيو تسعى قبل كل شيء إلى منعها.
عودة القوى المسؤولة
ما يكشفه المساران الألماني والياباني هو نهاية عالم كان يمكن فيه الاستعانة بالآخرين لضمان الأمن إلى ما لا نهاية. لم تعد إعادة التسلّح خيارًا أيديولوجيًّا، بل باتت وظيفة من وظائف البقاء السياسي في نظام دولي عاد إلى طبيعته التنافسية. إنّها عودة قوى إقليمية تتولّى مسؤولياتها ضمن شبكة تحالفات قائمة، لا خارجها.
فبدل الخوف من عودة التاريخ، ينبغي تقبّل الواقع والتحلّي بالبراغماتية: فالسلم الدائم يستند أيضًا إلى قوى قادرة على الدفاع عنه. ألمانيا مسلّحة ويابان أكثر حزمًا استراتيجيًّا ليستا مشكلة، بل هما عنصر استقرار، شرط أن تبقيا مندمجتين، ومنسّقتين، ومسؤولتين. والخطر الحقيقي لا يكمن في إعادة تسلّحهما، بل في احتمال إضعافهما.