بقلم: نواف نعمان
لم تعد الكويت تواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر أدوات التهدئة التقليديّة، بل دخلت مرحلة ما بعد الحرب الإقليميّة بتداعياتها المباشرة على الأمن الوطني. فالتطوّرات الأخيرة من استهداف منشآت مدنيّة حيويّة، إلى كشف خليّة مرتبطة بـ”حزب الله”، مرورًا بتصاعد الخطاب العدائي من جماعات مرتبطة بإيران تعكس انتقال التهديد إلى مستوى غير مسبوق يمسّ سيادة الدولة واستقرار المجتمع.
وتكتسب هذه التطوّرات دلالتها الكاملة عند وضعها في سياقها الكمّي: فمنذ اندلاع المواجهة في نهاية فبراير 2026، تعرّضت الكويت لسلسلة من الهجمات الإيرانيّة شملت ما لا يقلّ عن 264 صاروخًا باليستيًّا و542 طائرة مسيّرة تمّ اعتراضها حتى الآن، إضافة إلى موجات متتالية من الضربات المحدودة التي تعكس نمطًا استنزافيًّا قائمًا على التكرار وتشتيت منظومات الدفاع. هذه الأرقام لا تعكس فقط كثافة الهجوم، بل تشير إلى تحوّل نوعي في أدوات الضغط العسكري.
في هذا السياق، تجد الكويت نفسها أمام بيئة استراتيجيّة جديدة لم تعد تعترف بقواعد الاشتباك السابقة. فمرحلة ما بعد الحرب لا تعني نهاية التهديد، بل إعادة إنتاجه بأدوات أكثر تعقيدًا مثل الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، وشبكات نفوذ عابرة للحدود. فهذا التداخل بين التهديد الخارجي والاختراق الداخلي يُسقط الفواصل التقليديّة بين الأمن الدفاعي والأمن الداخلي.
الترابط الخليجي ضرورة استراتيجيّة
ولم يعد من الممكن التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها رسائل ظرفيّة، بل هي مؤشّر على تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع. استهداف المطار والبنية التحتيّة الحيويّة يضع الدولة أمام معادلة جديدة تتجاوز “الردّ المتبادل” إلى مستوى الدفاع عن الكيان السيادي ذاته. وعندما يتزامن ذلك مع نشاط خلايا مرتبطة بمحاور إقليميّة، فإنّ التهديد يصبح مركّبًا ومتعدّد الأبعاد.
من هنا، تتّجه الكويت نحو ترسيخ مقاربة تقوم على حماية السيادة أوّلًا، ولكن ضمن إدراك متزايد بأنّ هذه السيادة لم تعد قابلة للحماية بشكل منفرد. فالتجربة الأخيرة أثبتت أنّ الأمن الوطني بات مرتبطًا بشكل عضوي بالأمن الخليجي الجماعي.
في مرحلة ما بعد الحرب، يبرز الترابط الخليجي كضرورة استراتيجيّة لا غنى عنها. فحجم الهجمات وتنوّعها يؤكّد أنّ التهديد واحد في طبيعته ومصدره، وأنّ أيّ استجابة فرديّة ستبقى محدودة الأثر. لذلك، فإنّ الانتقال من التضامن السياسي إلى التكامل الأمني الخليجي أصبح شرطًا أساسيًّا للردع الفعّال.
هذا التكامل لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يتطلّب بناء منظومات دفاع مشتركة، خاصّة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتيّة، وتطوير آليّات موحّدة لحماية الممرّات البحريّة والبنية التحتيّة الحيويّة. كما يفرض صياغة عقيدة أمنيّة خليجية موحّدة قادرة على التعامل مع الحروب الهجينة والشبكات غير النظاميّة.
واشنطن و”تقاسم الأعباء”
غير أنّ أحد أهم الأسئلة التي تفرض نفسها في هذه المرحلة هو مصير مظلّة الدفاع الأمريكي. فمنذ تحرير الكويت عام 1991، شكّلت المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة ركيزة أساسيّة في معادلة الردع الإقليمي. غير أنّ التحوّلات الدوليّة خلال السنوات الأخيرة (من إعادة تموضع الأولويّات الاستراتيجيّة لواشنطن، إلى تصاعد المنافسة مع الصين، وتزايد النزعة الانكفائيّة في السياسة الأمريكيّة) تطرح تساؤلات جدّيّة حول مدى استدامة الاحتماء تحت هذه المظلّة بالشكل الذي عرفته المنطقة لعقود.
لا يعني ذلك غياب الدور الأمريكي، بل تحوّله. فواشنطن لا تزال حاضرة عسكريًّا وأمنيًّا، لكنّها باتت تميل إلى نموذج “تقاسم الأعباء”، حيث يُطلب من الحلفاء الإقليميّين تحمّل دور أكبر في أمنهم الجماعي. وهذا التحوّل يضع دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت، أمام واقع جديد: الاعتماد على الشراكة الأمريكيّة سيستمرّ، لكنّه لم يعد كافيًا كضمانة وحيدة للأمن.
من هنا، تكتسب المقاربة الخليجيّة المتكاملة أهميّة مضاعفة، ليس كبديل عن الشراكة الأمريكيّة، بل كركيزة مكمّلة لها. فتعزيز القدرات الذاتيّة والتكامل الإقليمي يمنح هذه الشراكة توازنًا أكبر، ويقلّل من هشاشة الاعتماد الأحادي على قوّة خارجيّة.
داخليًّا، يبقى تحصين الجبهة الوطنيّة أولويّة قصوى. فالتحدّيات الراهنة تفرض تعزيز أدوات الدولة في مواجهة أيّ امتدادات تنظيميّة أو ماليّة أو أيديولوجيّة مرتبطة بالخارج، بالتوازي مع إعادة بناء الإجماع الوطني حول مفهوم السيادة والانتماء. فالتماسك الداخلي هو القاعدة التي يُبنى عليها أيّ تحرّك إقليمي ناجح.
معادلة ردع من دون تصعيد
إقليميًّا، ورغم أهميّة الشراكات الدولية، أثبتت الأزمة أنّ الدائرة الخليجيّة تبقى الأكثر قدرة على الاستجابة السريعة والفعّالة. ومن هنا، فإنّ تعزيز هذا الإطار لا يتعارض مع الانفتاح الدولي، بل يشكّل أساسًا له، ضمن معادلة تحافظ على استقلال القرار الوطني وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
في المقابل، تدرك الكويت أنّ الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ليس خيارًا مستدامًا. لذلك، فإنّ ما يتبلور هو استراتيجية ردع خليجيّة وطنيّة مشتركة، تقوم على رفع كلفة التهديد، وتعزيز الجاهزيّة الدفاعيّة، وتوحيد الرسائل السياسيّة، دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب.
في المحصّلة، تقف الكويت، ومعها دول الخليج، أمام لحظة مفصليّة في مرحلة ما بعد الحرب. فإمّا الاستمرار في إدارة توازنات قائمة على مظلّات خارجيّة متغيّرة، أو الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على السيادة المتكاملة ضمن إطار خليجي متماسك ومدعوم بشراكات دوليّة متوازنة.
ما تفرضه هذه المرحلة ليس مجرّد تعديل في السياسات، بل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الأمن، حيث تصبح السيادة الوطنيّة مرتبطة عضويّاً بالأمن الجماعي الخليجي، ومدعومة لا مستبدلة بالشراكات الدوليّة. وفي عالم يتّجه نحو منطق القوّة وتراجع الضمانات التقليديّة، قد يكون هذا التحوّل هو الشرط الأساسي لحماية الدول وصون استقرارها.