جنيف على حافّة الهاوية: الدبلوماسية في ظل حرب وشيكة

01010101
جنيف على حافّة الهاوية: الدبلوماسية في ظل حرب وشيكة

تتّجه الأنظار إلى جنيف يوم الخميس 26 فبراير، حيث ستُستأنف المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سياق لم يعد يندرج ضمن إدارة الأزمات التقليدية، بل يقترب تدريجيًّا من منطق الإشارات ما قبل الحربية. فما بدأ كقناة دبلوماسية مضبوطة بوساطة عُمانية تحوّل إلى ممرّ ضيّق بين التفاوض والتصعيد، في ظل تقييمات استخباراتية تشير إلى استعدادات لسيناريو عمل عسكري خلال أيام أو أسابيع.

لم تعد جنيف مجرّد منصّة للتفاوض النووي، بل باتت تمثّل الحدّ الفاصل بين المسار الدبلوماسي واحتمال اندلاع نزاع إقليمي واسع. وقد وفّرت مسقط مجدّدًا الإطار الإجرائي للمحادثات، من خلال استضافة الوفود في مقرّ السفير العُماني وفرض حدّ أدنى من الانضباط على أطراف لا تتواصل عادة إلّا عبر التهديدات. إلّا أنّ السياق الاستراتيجي تغيّر جذريًّا.

وتشير تقارير متعدّدة إلى تموضع عسكري أمريكي– إسرائيلي يتماشى مع استعدادات لعمليات قتالية وشيكة. المفارقة لافتة: تسعى جنيف إلى بناء سقالة دبلوماسية في الوقت الذي يجري فيه تشييد البنية العسكرية للمواجهة على أرض الواقع.

الدبلوماسية تحت ضغط العسكرة

حافظ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حتى الآن على لغة تفاوضية محسوبة، متحدّثًا عن “مبادئ توجيهية” و”مناقشات جدّيّة”، مع وعد بتقديم مقترحات تفصيلية خلال أسبوعين. إلّا أنّ البيئة الاستراتيجية المحيطة بهذه التصريحات تغيّرت جذريًّا. فالوفد الإيراني يدرك أنّ فجوة الثقة الناتجة عن الاحتجاجات الداخلية، وضغوط العقوبات، وذاكرة الضربات الأمريكية الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية خلال عام 2025، لا يمكن ردمها عبر التفاوض وحده.

بناءً على ذلك، تسعى طهران إلى تحصين موقفها خطابيًّا مع تعزيز جاهزيّتها عملياتيًّا: مناورات بحرية للحرس الثوري في مضيق هرمز، اختبارات صاروخية، وتحذيرات علنية بشأن القدرة على إغلاق أحد أهمّ الممرّات النفطية في العالم، وهي رسائل ردع تهدف إلى رفع كلفة أيّ قرار أمريكي إسرائيلي بالتصعيد.

في المقابل، تحتفظ واشنطن بازدواجية خطابها المعتادة: إقرار علني بوجود “تقدّم”، يقابله إصرار غير قابل للتفاوض على معالجة قضايا التخصيب، وآليات التحقّق، والبرنامج الصاروخي، والشبكات الإقليمية المتحالفة مع طهران. إلّا أنّ العامل المستجدّ يتمثّل في وتيرة التحضير العمليّاتي للبنتاغون.

منطق الردع وحدود الثقة

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على متن الطائرة الرئاسية، مستحضرًا ضربات قاذفات B-2 خلال صيف 2025 ومُحذّرًا طهران من “عواقب عدم التوصّل إلى اتفاق”، تغذّي هذا المسار التصعيدي. وتشير تقديرات داخل دائرته الاستشارية إلى أنّ احتمال العمل العسكري يقترب من 90 بالمئة.

أمّا إسرائيل، فتستعدّ لحرب شاملة قد تمتدّ لأسابيع، وتتجاوز في نطاقها مواجهة يونيو 2025 التي استمرّت 12 يومًا. لم تعد حكومة بنيامين نتنياهو تتصرّف على أساس أنّ الحرب يمكن تفاديها، بل كأنها الخيار الافتراضي ما لم تُفضِ الدبلوماسية إلى تحوّل فوري وحاسم.

جاء رد طهران متوقّعًا من حيث النبرة، حذرًا من حيث الحسابات. فتصريح المرشد الأعلى علي خامنئي بأنّ “الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إغراقها” يندرج ضمن تثبيت معادلة الردع، ومنع واشنطن أو تل أبيب من تفسير المسار التفاوضي في جنيف بوصفه مؤشّر ضعف.

يرتكز هذا الموقف على تجربتين مؤلمتين في الذاكرة التفاوضية الإيرانية: انسحاب الولايات المتحدة من الاّتفاق النووي عام 2018، والضربات التي طالت منشآتها النووية خلال مفاوضات 2025. بالنسبة لطهران، لا تمثّل جنيف مسارًا لبناء الثقة، بل اختبارًا لمدى استعداد واشنطن لعدم توظيف الدبلوماسية كأداة ضغط أو خداع استراتيجي.

تصادم الجداول الزمنية: جنيف كنقطة قرار

لا تزال الإشكالية البنيوية قائمة: الطرفان لا يتّفقان على موضوع التفاوض ذاته. تسعى واشنطن إلى جدول أعمال شامل، فيما تصرّ إيران على مقاربة ضيّقة. تتقاطع آليّات التحقّق مع مفاهيم السيادة، ويتصادم تخفيف العقوبات مع الحسابات السياسية الداخلية للإدارة الأمريكية، كما تتعارض قيود الصواريخ مع العقيدة الأمنية الإيرانية.

لكن العامل الحاسم اليوم هو الزمن. فالنافذة الدبلوماسية التي تمتد أسبوعين، والتي يُفترض أن تقدّم خلالها طهران مقترحات تفصيلية، تتزامن مع جدول عسكري يتسارع بوتيرة ملحوظة. لم يعد المساران الدبلوماسي والعملياتي متوازيين؛ بل باتا يتقاطعان.

وفي هذا السياق، أكّدت سلطنة عُمان عقد جولة ثالثة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف يوم الخميس 26 فبراير، على أن تتضمّن تقديم مسودّة اتّفاق إيرانية أوّليّة. إلا أنّ هذه الجولة لا تأتي ضمن إيقاع تفاوضي تقليدي، بل ضمن تقاطع زمني مباشر مع وتيرة التحضير العسكري الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

وعليه، لم تعد جنيف تمثل محطّة تفاوضية إضافية، بل تبدو أقرب إلى نقطة تحوّل محتملة لقرار الحرب، حيث قد يتحدّد ما إذا كانت المقترحات الإيرانية كفيلة بإنتاج مخرج دبلوماسي ذي مصداقية، أو أنّها ستفشل في إبطاء دينامية التصعيد القائمة.

الخلاصة الاستراتيجية: احتواء أم انزلاق؟

لم يعد مسار جنيف يمثّل عملية تفاوضية بالمعنى الكلاسيكي؛ بل يتّجه سريعًا ليصبح آلية لاحتواء الأزمة، تهدف إلى تأخير أو كبح قرار عسكري يبدو وشيكًا. تستعدّ الولايات المتحدة وإسرائيل لعملية واسعة النطاق، أكثر تدميرًا من مواجهة يونيو 2025، وربما تستهدف إضعافًا منهجيًّا لقدرات إيران.

في المقابل، تواصل طهران إرسال إشارات ردعية عبر مناورات مضيق هرمز والنشاط الصاروخي وتوجيهات القيادة العليا، بينما تعمل عُمان على كسب الوقت دون أن تغيّر المسار العام للأحداث.

وقد تتحوّل جولة جنيف المرتقبة يوم الخميس إلى لحظة فاصلة، لا تختبر فقط جدوى المقترحات الإيرانية، بل توقيت القرار العسكري عينه.

نافذة الدبلوماسية لا تُغلق ببطء؛ بل بدأت في الانهيار ضمن الجدول الزمني للعمليات العسكرية.

تتّجه الأنظار إلى العراق مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقرّرة في 11 نوفمبر 2025، في …

يسجّل اتّفاق وقف الحرب في غزّة الذي تمّ توقيعه في شرم الشيخ في 13 أكتوبر …

بقلم: أوليفيه بو لا شكّ أن عام 2025 موسوم بعودة دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات …

شدد السيد نواف نعمان، نائب رئيس مرصد جنيف الجيوستراتيجي، على أن قضايا المساعدات الإنسانية وحماية …

Scroll to Top