تشهد إيران مجدّدًا موجة اضطرابات شعبية واسعة، تُضاف إلى سلسلة متكرّرة من الاحتجاجات التي واجهها النظام خلال العقود الماضية. وكما في كل مرّة، جاء ردّ الدولة قائمًا على القمع الممنهج واستخدام القوة المفرطة، ما أدّى إلى مقتل مئات المتظاهرين واعتقال الآلاف، وسط تقديرات تشير إلى أنّ الأرقام الفعلية أعلى بكثير. غير أنّ ما يميّز هذه الجولة من الاضطرابات هو تزامنها مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب الأمريكي، يتضمّن تهديدات بالتدخّل العسكري، الأمر الذي يضاعف المخاطر الداخلية ويفتح الباب أمام تداعيات إقليمية ودولية خطيرة.
إصلاح مستحيل أم قمع مؤجِّل للانفجار؟
يجد النظام الإيراني نفسه أمام مسارين رئيسيّين. الأول يتمثل في الإقدام على إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية تستجيب لمطالب الشارع الغاضب. غير أنّ التجربة التاريخية للنظام، ولا سيّما تحت الضغط، تُظهر مقاومة بنيوية لأيّ تغيير يمسّ جوهر السلطة الدينية، ما يجعل هذا الخيار ضعيف الاحتمال.
أمّا المسار الثاني، فيقوم على الرهان على إنهاك الحركة الاحتجاجية بفعل الخوف والتعب، ثم استخدام مزيج من المعالجات الاقتصادية المحدودة والقمع الأمني المنهجي لشراء الوقت وإعادة فرض السيطرة.
كلا المسارين ينطوي على مخاطر عميقة: فالإصلاح الجزئي أو المتأخّر قد لا يوقف تراكم السخط الشعبي، بينما يؤدّي القمع المستمرّ إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويزيد احتمالات الإنفجار غير المنضبط أو التدخّل الخارجي.
من الشرعية الدينية إلى القومية الاحتجاجية
تُظهر ديناميّات الاحتجاج الراهنة تآكلًا متسارعًا في شرعية التيّار الديني الحاكم، لا بوصفه مرجعية إيمانية فحسب، بل كإطار سياسي شامل لإدارة الدولة والمجتمع. ففي مقابل تراجع الخطاب الأيديولوجي الثوري القائم على “ولاية الفقيه”، يبرز خطاب قومي احتجاجي يستند إلى مفاهيم السيادة الوطنية والكرامة والهوية التاريخية، ويقدّم نفسه كبديل جامع يتجاوز الانقسامات المذهبية والإثنية. غير أنّ هذا التحوّل لا يعني بالضرورة تبلور مشروع قومي متكامل، بقدر ما يعكس بحثًا اجتماعيًّا عن أداة رمزية جديدة لمساءلة السلطة ونزع الشرعية عنها. ومن ثمّ، فإنّ القومية الصاعدة تبدو، في هذه المرحلة، إطارًا انتقاليًّا لتفكيك النظام القائم أكثر من كونها تصوّرًا واضحًا لما سيليه.
كوابيس ما بعد الانهيار
من منظور صانعي القرار الغربيّين، تفرض الأزمة الإيرانية مقاربة شديدة الحذر. فبرغم الطابع القمعي للنظام، فإنّ بعض السيناريوهات البديلة قد تكون أكثر خطورة. إذ قد يؤدّي انهيار مفاجئ للنظام إلى صراعات طويلة على أسس أيديولوجية وعرقية ومذهبية، على غرار ما شهدته دول مثل العراق وسوريا وليبيا.
وتزداد هذه المخاوف في ضوء معطى بالغ الخطورة يتمثل في اختفاء نحو نصف طن من اليورانيوم عالي التخصيب بعد حرب يونيو 2025، وهي كمية تكفي لإنتاج عدد من الرؤوس النووية أو “قنابل قذرة”. وفي حال وقوع هذه الموادّ بيد جهات غير منضبطة، أو في حال سيطرة فصائل داخل الحرس الثوري عليها، فإنّ المخاطر الأمنية ستتجاوز حدود إيران. كما لا يمكن استبعاد احتمال سعي بعض أركان النظام، في لحظة يأس، إلى تسريع مسار التسلّح النووي سرًّا قبل أن يُكشف أمرهم.
التدخّل العسكري: علاج أسوأ من المرض
إنّ أيّ عمل عسكري تقوده الولايات المتحدة ضد القيادة السياسية أو الأجهزة القمعية قد يُضعف النظام، لكنه يحمل في طيّاته احتمال لجوء هذا الأخير إلى سياسة “الأرض المحروقة” ضدّ شعبه وضدّ المصالح الأمريكية وحلفائها. صحيح أنّ هذه النتائج ليست حتميّة، لكنّ الرهان على سقوط نظام مكروه يجب ألاّ يحجب كامل طيف العواقب الممكنة.
كما أنّ ضربة جويّة بعيدة المدى تستهدف بنىً تحتية أو رموزًا سيادية قد تُحدث صدمة عسكرية، لكنّها لنّ تحوّل إيران إلى دولة مستقرّة أو “مسؤولة” في المدى المنظور، فضلًا عن صعوبة تبريرها قانونيًّا في غياب هجوم إيراني مباشر. وقد يكون هذا السيناريو مقبولًا نسبيًّا لدى إسرائيل التي قد تفضّل إيران ضعيفة وفوضوية على إيران قوية ومعادية، إلّا أن مثل هذا المسار يثير قلقًا عميقًا في العواصم الخليجية ولا يخدم المصالح الأمريكية بعيدة المدى.
دبلوماسيّة مثقلة بانعدام الثقة
في المقابل، لا تبدو الدبلوماسيّة خيارًا سهلًا. فمستويات انعدام الثقة عميقة، لا سيّما لدى الإيرانيين، في ظلّ تجربة سابقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي انسحب عام 2018 من الاتّفاق النووي، ثمّ لجأ إلى القوة العسكرية عام 2025 في خضم مفاوضات جارية. كما أنّ العودة إلى مفاوضات تقنيّة حول البرنامج النووي أو الصاروخي، في ظلّ القمع الداخلي، قد تُفهم على أنها مكافأة للنظام وإهانة مباشرة للمتظاهرين.
إضافة إلى ذلك، تضعف قدرة واشنطن على لعب دور “الراعي الأخلاقي” للإصلاح الديمقراطي، سواء بسبب سجلّها الداخلي أو بسبب قناعة راسخة بأن أيّ تغيير مستدام في إيران لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل.
النفوذ الأمريكي المشروط بالإصلاح
مع ذلك، لا تخلو الساحة من أوراق ضغط. إذ تستطيع الولايات المتحدة ربط أيّ تخفيف جوهري للعقوبات – وهو أمر يحتاجه النظام بشدة لتهدئة الغضب الاجتماعي – ليس فقط بتنازلات نوويّة، بل أيضًا بخطوات سياسية ملموسة نحو إصلاح حقيقيّ. طبيعة هذه الإصلاحات يجب أن يحدّدها الإيرانيون أنفسهم، لكن من بين الطروحات المتداولة إجراء تصويت بإشراف دولي لانتخاب جمعية تأسيسيّة تتولّى صياغة نظام سياسي جديد.
حتى لو رفضت طهران هذا الخيار في المرحلة الراهنة، فإنّ طرحه قد يفتح نقاشًا داخل بنية السلطة، خاصة مع اقتراب استحقاق خلافة المرشد الأعلى البالغ من العمر 86 عامًا، وما يحمله ذلك من تحوّلات حتميّة في توازنات النظام.
انعكاسات متباينة على دول الخليج
يحمل هذا التحوّل المحتمل في البنية الأيديولوجية للنظام الإيراني تداعيات مباشرة على البيئة الإقليمية، ولا سيّما على دول مجلس التعاون الخليجي. فمن جهة، قد يفتح تراجع البعد الديني–الثوري الباب أمام إعادة صياغة العلاقات الإيرانية–الخليجية على أساس منطق الدولة–الدولة، بما يخفّف من حدّة الاستقطاب الطائفي ويحدّ من سياسات التدخل غير المباشر.
لكن من جهة أخرى، لا يخلو صعود القومية الإيرانية من مخاطر، إذ قد يتحوّل إلى قومية صلبة أو عسكرية تسعى إلى إعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران بلغة المصالح والقوة لا العقيدة. لذلك، تتعامل العواصم الخليجية مع هذا التحول بحذر مزدوج: ترحيب حذر بتآكل الأيديولوجيا الدينية العابرة للحدود، يقابله قلق عميق من فراغ سياسي قد تُملؤه نزعة قومية أكثر براغماتية وأقلّ قابلية للضبط.
نحو مخرج أقلّ كلفة
لا يبدو من الواقعي توقّع قبول المرشد الأعلى أو دائرته الضيقة بأيّ انتقال سياسي منظّم. غير أنّ اللحظة الراهنة استثنائية في ضغوطها وتعقيداتها. وقد يجد بعض الفاعلين داخل النظام في مسار انتقاليّ مضبوط “مخرجًا” من مأزق تاريخي متفاقم، خصوصًا مع اقتراب مرحلة ما بعد المرشد الحالي.
إنّ الاستثمار في هذا المسار قد يمنح خصوم النظام فرصة للخروج من حالة الجمود نحو دولة تحظى بشرعية شعبية وفرص اقتصادية متنامية وعلاقات أكثر استقرارًا مع الجوار. وعلى المدى القريب، قد يسهم هذا الخيار أيضًا في تقليص مخاطر مواجهة عسكرية غير محسوبة، ومنع انزلاق إيران إلى فوضى شاملة في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.