إستهداف مصنع تحلية المياه في الكويت يكشف استراتيجيّة إيرانيّة أبعد من الأهداف العسكريّة

usine
إستهداف مصنع تحلية المياه في الكويت يكشف استراتيجيّة إيرانيّة أبعد من الأهداف العسكريّة

لم يكن استهداف مصنع تحلية المياه في الكويت خلال موجة الهجمات الإيرانيّة الأخيرة حدثًا عرضيًّا أو معزولاً، بل جاء في سياق نمط متصاعد من استهداف البنى التحتيّة المدنيّة في دول الخليج العربي، بما يعكس تحوّلاً نوعيًّا في طبيعة التهديدات التي تواجهها المنطقة. فالهجوم الذي طال منشأة حيويّة مرتبطة مباشرة بالأمن المائي للمجتمع الكويتي، يطرح دلالات استراتيجيّة تتجاوز الأهداف العسكريّة المعلنة، ليضع المدنيّين والبنية الأساسيّة في قلب معادلة الردع والتصعيد.

خرق التعهّدات

في هذا الإطار، تكتسب التطوّرات التي سبقت اندلاع المواجهة العسكريّة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أهميّة خاصة. ففي فبراير الماضي، وقبل أيام من اندلاع الحرب، قام أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، بجولة خليجيّة شملت قطر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتّحدة، حاملاً رسالة شكر من المرشد الأعلى علي خامنئي، على مواقف هذه الدول الرافضة لاستخدام قواعدها العسكريّة في أيّ عمل هجومي ضدّ إيران، بل وطلبها إخلاء هذه القواعد من القوّات الأمريكيّة. وقد تضمّنت الرسالة تعهّدًا إيرانيًّا واضحًا بعدم استهداف دول الخليج، في حال استمرار هذا الموقف.

غير أنّ الوقائع الميدانيّة سرعان ما نسفت هذه التعهّدات، إذ شهدت الساعات الأولى من اندلاع الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي قيام إيران بقصف دول الخليج الستّ دون استثناء، في تصعيد غير مسبوق من حيث النطاق والجرأة. وقد شمل هذا القصف استهداف منشآت مدنيّة حيويّة، من بينها مصنع تحلية المياه في الكويت، بما يعكس انزلاقًا واضحًا نحو توسيع دائرة الأهداف لتشمل مقوّمات الحياة الأساسيّة، وليس فقط المواقع العسكريّة.

تفسيرات غير مقنعة

وتستند الرواية الإيرانيّة الرسميّة إلى أنّ هذه الهجمات تستهدف حصرًا القواعد الأمريكيّة في المنطقة، باعتبارها منصّات انطلاق للهجوم على إيران. إلّا أنّ هذه الرواية تواجه إشكاليّات جوهريّة، أوّلها غياب أيّ دليل ملموس يثبت استخدام تلك القواعد في العمليّات الهجوميّة، وثانيها الوقائع الميدانيّة التي تشير إلى عدم وجود قوّات أمريكيّة في عدد من هذه القواعد، بعد أن طلبت دول الخليج إخلاءها قبل اندلاع الحرب، في محاولة واضحة لتجنيب أراضيها الانخراط في النزاع.

وفي محاولة لاحتواء التداعيات السياسيّة والإعلاميّة لاستهداف منشآت مدنيّة حسّاسة، أصدرت السفارة الإيرانيّة في الكويت بيانًا زعمت فيه أنّ الهجوم على مصنع تحلية المياه لم يكن من تنفيذ إيران، بل اتّهمت فيه إسرائيل بالوقوف وراء هذا الاستهداف. غير أنّ هذا الطرح قوبل بتشكيك واسع، نظرًا لتعارضه مع المعطيات الميدانيّة ومسار العمليّات العسكريّة التي شهدت إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة من الجانب الإيراني باتّجاه دول الخليج، ما يعزّز فرضيّة توظيف الرواية الإعلاميّة لنفي المسؤوليّة أكثر من تقديم تفسير مقنع للأحداث.

كما أنّ المعطيات العمليّاتيّة تثير تساؤلات إضافيّة حول صدقيّة المزاعم الإيرانيّة، إذ تشير التقديرات إلى أنّ إيران أطلقت ما يقارب أربعة آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة، ولو افترضنا توجيه هذه القدرات نحو نحو عشر قواعد عسكريّة في الخليج والأردن، لكان من المفترض أن يؤدّي ذلك إلى تدمير كامل لهذه القواعد وشلّ قدرتها العمليّاتيّة، وهو ما لم يحدث. بل على العكس، استمرّت الهجمات لتطال منشآت مدنيّة بحتة، مثل محطّات تحلية المياه والمطارات والبنية النفطيّة، ما يعزّز فرضيّة أنّ الأهداف الحقيقيّة تتجاوز الإطار العسكري المعلن.

جرائم حرب

ويكتسب استهداف مصنع تحلية المياه في الكويت بعدًا أكثر خطورة عند النظر إلى واقع الاعتماد المائي في البلاد، إذ يعتمد نحو 95% من سكّان الكويت على مياه التحلية كمصدر رئيسي للحياة اليوميّة. وعليه، فإنّ ضرب هذه المنشآت لا يهدّد فقط بنية تحتيّة تقنيّة، بل يمسّ مباشرةً الحقّ في الماء، وهو حقّ أساسي مرتبط بالحقّ في الحياة والصحة. ومن هذا المنظور، فإنّ استهداف منشآت تحلية المياه يرقى إلى مستوى الاعتداء على المدنيّين ووسائل بقائهم.

وبموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، فإنّ الهجمات التي تستهدف البنية التحتيّة المدنيّة الحيويّة، ولا سيّما تلك التي لا غنى عنها لبقاء السكّان، قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب، خصوصًا عندما تكون هذه المنشآت خارج أيّ استخدام عسكري مباشر. وفي هذا السياق، فإنّ استهداف مصنع تحلية المياه في الكويت يمكن قراءته ضمن هذا الإطار القانوني، باعتباره عملاً يتجاوز حدود النزاع المسلّح المشروع إلى انتهاك جسيم لقواعد حماية المدنيّين.

وقد انعكس هذا التقييم على الموقف الدولي، حيث أدان مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2817 الصادر في 11 مارس الهجمات الإيرانيّة، واعتبرها خرقًا للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، رافضًا تصنيفها ضمن إطار الدفاع المشروع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة. ويكتسب هذا الموقف أهميّة إضافيّة في ضوء قيام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتقديم اعتذارات رسميّة لبعض الدول الخليجيّة، وهو ما يثير تساؤلات حول التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يبرّر الهجمات، والسلوك السياسي الذي يعترف ضمنيًّا بعدم مشروعيّتها.

دول الخليج هدف رئيسي لإيران

الأرقام بدورها تعزّز هذا التحليل، إذ تشير التقديرات إلى أنّ نحو 85% من الصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة وُجّهت نحو دول الخليج والأردن، مقابل نسبة محدودة استهدفت إسرائيل، كما أنّ حوالي 70% من مدى هذه الصواريخ لا يتجاوز 400 كيلومتر، وهو ما يعكس تركيزًا جغرافيًّا واضحًا على الضفة الغربيّة للخليج، وليس على العمق الإسرائيلي. وهذه المعطيات التقنيّة تعزّز فرضيّة أنّ دول الخليج كانت هدفًا رئيسيًّا في التخطيط العمليّاتي الإيراني، وليس مجرّد ساحة جانبيّة للصراع.

في المحصّلة، يكشف استهداف مصنع تحلية المياه في الكويت، وما تبعه من محاولات نفي المسؤوليّة وإعادة توجيه الاتّهام، عن تحوّل استراتيجي في طبيعة السلوك الإيراني، يجمع بين التصعيد العسكري المباشر والحرب الإعلاميّة. كما يسلّط الضوء على خطورة استهداف الموارد الحيويّة التي يعتمد عليها السكّان بشكل شبه كامل، وما يحمله ذلك من تداعيات إنسانيّة وقانونيّة جسيمة، تستدعي مقاربة خليجيّة أكثر تكاملاً لحماية البنية التحتيّة الحيويّة وتعزيز آليّات الردع والمساءلة الدوليّة.

ينشغل لبنان الرسمي والشعبي بنتائج زيارة مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا، سفير واشنطن …

جنيف، عاصمة الدبلوماسية والحوار، تضيف اليوم إلى رصيدها دورًا جديدًا يجعلها في صدارة المشهد التكنولوجي …

نواف نعمان – رئيس التحرير أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، يوم الإثنين، أن البرلمان يعمل على …

على منبر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، قدّم وزير حقوق الإنسان في …

Scroll to Top