لحظة مفصلية في لبنان: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على وقع صراع داخلي على النفوذ

liban-israel
لحظة مفصلية في لبنان: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على وقع صراع داخلي على النفوذ

مع دخول الحرب في الشرق الأوسط مرحلة دقيقة تجمع بين الدبلوماسيّة والمدفع تحت سقف واحد، يعيش لبنان مرحلة دقيقة وغير مسبوقة، تتداخل فيها القرارات الداخليّة مع التحوّلات الإقليميّة، في ظلّ تصاعد التوتّر السياسي والأمني، وبدء مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل للمرّة الأولى، بالتزامن مع حراك إقليمي أبرز ما فيه انطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

فبعد انطلاق المفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة السبت 11 أبريل، من المقرّر أن تنطلق أوّل مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل الثلاثاء 14 أبريل، بعد إعلان لبنان استعداده لخوضها، مؤكّدًا أنه “لن يسمح لأيّ جهة بالتفاوض نيابة عنه”. وتشكّل هذه الخطوة تحولًّا نوعيًّا في المقاربة اللبنانيّة، التي كانت تعتمد سابقًا على الوساطات غير المباشرة، وتعكس تطوّرًا أساسيًّا لموقف الدولة اللبنانيّة بالمقارنة مع مفاوضات  ترسيم الحدود البحريّة في 27 أكتوبر 2022 مع إسرائيل وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل في 27 نوفمبر 2024 وغيرها.

واشنطن وليس نيويورك

إنّ هذا الفصل بين المفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة والمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة أتى في المرحلة الأولى من فصل كلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل المسار مع لبنان عن المسار مع إيران، من خلال تصاريح لأكثر من مسؤول من البلدين تلت إعلان اتّفاق وقف إطلاق النار لأسبوعين يوم الأربعاء 8 أبريل، وأكّدت أنّ لبنان ليس مشمولاً بهذا الإتّفاق. وباختيار واشنطن وليس مقر الأمم المتّحدة في نيويورك مكانًا لانعقاد المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، تطرح الولايات المتّحدة نفسها كضامن ووسيط أساسي يتفاوض الأطراف “في ساحتها”. أمّا إسرائيل الساعية إلى فصل مسار لبنان عن مسار إيران، فتناسبها المفاوضات البعيدة عن أروقة الأمم المتّحدة والرعاية الدوليّة. وبذلك تصبح واشنطن الوسيط المباشر والوحيد، مبعدة أيّ نفوذ للدول الأوروبيّة، على الأقلّ في المرحلة الأولى من هذه المفاوضات، وذلك بالرغم من اهتمام عدد من الدول الأوروبيّة بملفّ لبنان، وعلى رأسها فرنسا التي أصبحت دولة “نفوذ بلا قوّة” في المنطقة مع تراجع الدور الأوروبي لصالح قوى الولايات المتّحدة وروسيا وإيران. بالإضافة إلى ذلك، تنظر إسرائيل إلى  باريس كوسيط “غير نزيه” لمحاولتها تقييد القدرة العسكرية الإسرائيلية ومنعها طائرات أمريكيّة تحمل أسلحة إلى إسرائيل من استخدام مجالها الجوّي. كما تساهم التحدّيات الاقتصاديّة الفرنسيّة، ومحدوديّة الدعم الأوروبي الشامل لمواقف باريس في بعض الملفّات، في إضعاف هذا الدور بشكل عام.

تصعيد حزب الله

بعد ظهر الأربعاء 8 أبريل لم يكن يومًا عاديًّا في لبنان، فقد شنّت إسرائيل 100 غارة على مناطق في بيروت والجنوب والبقاع خلال 10 دقائق، سقط فيها 303 قتلى و1150 جريحًا في حصيلة غير نهائية لوزارة الصحة اللبنانية، فيما أعلنت إسرائيل إنّها قتلت 180 عنصرًا من حزب الله تمكّنت من رصدهم خلال اجتماع لهم عبر تطبيق Zoom  في عمليّة دقيقة قالت إنّها الأكبر بعد عمليّة الPagers التي حصدت 420 قتيلاً و 3700 مصاب في 17 سبتمبر 2024. وأكّدت إسرائيل إنّ هذه الضربة أنقذت لبنان من محاولة انقلاب عسكري خطّط لها حزب الله ( كما هدّد في وقت سابق على لسان أكثر من مسؤول فيه) لإسقاط الحكومة واحتلال القصر الجمهوري واقتحام مناطق في جبل لبنان لفرض أمر واقع جديد.

وسواءً صحّت هذه الرواية أم لا، فإنّ حزب الله بدأ فعلاً باستخدام الشارع لمحاولة الحفاظ على نفوذه وسلاحه، بدليل تظاهرات 10 أبريل أمام السراي الحكومي في بيروت التي دعت إلى إسقاط حكومة نواف سلام واصفة إيّاه بالخائن والعميل. ومع الدعوات إلى استمرار التظاهرات وقطع الطرق، يبدو أنّ حزب الله مستمرّ في التصعيد في ما يشبه الهروب إلى الأمام من درب التفاهمات المقبلة على حساب نفوذه وسلاحه، مُقحِمًا لبنان مرّة جديدة في مخاطر العنف الداخلي. وممّا يعزّز المخاوف من انزلاق لبنان إلى الإقتتال الداخلي وجود أكثر من مليون لبناني نزحوا من مناطق المعارك إلى مناطق أكثر أمنا في بيروت وجبل لبنان وشماله وبقاعه، في الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن إيوائهم وتقديم المساعدة الإنسانية لهم. ويعزّز هذه المخاوف ايضًا وقوع صدامات داخلية متفرّقة عقب تعرّض مناطق النزوح إلى عدّة غارات إسرائيليّة بسبب اختباء عدد من عناصر حزب الله والحرس الثوري الإيراني بين النازحين. لذلك تستصرخ الدولة اللبنانيّة بطلب المساعدة من الدول العربية والغربية لاحتواء أزمة النازحين، وهذا الأمر يطرح نفسه على طاولة المفاوضات، ويمكن له بالتالي أن يكون ورقة ضغط مؤثّرة عليها.

أداء الجيش

مع إعلان رئيس الحكومة نواف سلام في جلسة مجلس الوزراء في 9 أبريل حصر السلاح بيد الدولة في كامل “محافظة بيروت الإدارية”، لتصبح منطقة منزوعة السلاح الميليشياوي وغير الشرعي، بدأ الجيش اللبناني بتنفيذ انتشاره في الأحياء التي يشملها القرار وهي 12 حيًّا رئيسيًّا تمتدّ على مساحة 18 كيلومترًا مربّعًا، ولكنّ الخطوة هذه تبقى ناقصة إذ أنّها لا تشمل الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله.  هذا القرار المتزامن مع إعلان بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يُراد منه بلا شكّ استعادة بعض من هيبة الدولة والقوى الأمنيّة التي فقدتها مع عجز الجيش عن تطبيق نزع السلاح من جنوب الليطاني وفق مقرّرات اتفاق نوفمبر 2024، وانسحابه من قرى الجنوب عند كلّ إنذار بالإخلاء أطلقه الجيش الإسرائيلي خلال توغّله في بلدات الجنوب بالرغم من مناشدات الأهالي له بالبقاء.

هذا السلوك من قبل الجيش أثار نقمة بعض القوى في لبنان المؤيّدة للدولة ونزع سلاح حزب الله، التي اعتبرت أنّ على الجيش القيام بمهامّه والعمل فعليًّا على نزع السلاح غير الشرعي، رافضةً المخاوف التي تُثار من احتمال اندلاع حرب أهليّة مع انقسام الجيش على خلفيّة طائفية (70 بالمئة من جنوده هم من الطائفة الشيعيّة). ووصلت هذه الدعوات إلى اتّهام الجيش وحتّى رئيس الجمهورية بحماية حزب الله.

جبهتان دبلوماسيّة وعسكريّة

أمام هذا الواقع يجد لبنان نفسه بين جبهتين: الجبهة العسكريّة مع استمرار الحرب الإسرائيليّة على حزب الله بالرغم من خفض حدّتها والتحدّيات الأمنيّة الداخليّة من جهة، وبين “الحرب” الدبلوماسيّة مع بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والتي لا تقلّ خطورة وحساسيّة عن الأولى. وعلى الجبهة الدبلوماسيّة يقع لبنان عند نقطة تقاطع مباشرة: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والمفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة. في الأولى هو مفاوض على الطاولة، وفي الثانية هو ورقة تفاوض.

إنّ هذين المسارين التفاوضيّين مرتبطان بشكل عضوي، ونتائج كلّ منهما تنعكس فورًا على الداخل اللبناني. فإذا نجحت مفاوضات الولايات المتحدة وإيران، يمكن أن تكون النتيجة تخلّي إيران عن حزب الله ووقف تمويله، وبالتالي تراجع نفوذه. امّا إذا فشلت فقد تعود الكلمة للحرب.

وإذا نجحت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فإنّ نزع السلاح هو البند الأوّل الذي لن تتراجع عنه إسرائيل والذي ستوقّع عليه الدولة اللبنانية ولكن تبقى العبرة في التنفيذ أو في القدرة عليه. وإذا فشلت المفاوضات فستعود الأمور في أحسن الأحوال إلى الإتفاق الأوّل: نزع سلاح حزب الله.

من سينفّذ القرار؟

إنّ نزع سلاح حزب الله بات أمرًا واقعًا، ولكن من سيتولّى تنفيذ هذا القرار هذه المرّة؟

إنّ الجيش اللبناني غير مخوّل القيام بهذا الأمر خوفًا من حرب أهليّة، حتى الآن على الأقلّ، فهل ستتولّى إسرائيل المهمّة وتصعّد الحرب من جديد؟ أم أنّ المفاوضات ربّما تفضي إلى تفويض  قوّات دوليّة بالقيام بذلك تحت الفصل السابع؟ لا يبدو الأمر بهذه السهولة لأنّ واقع الدولة اللبنانية لا يخضع حتّى الآن لشروط الفصل السابع: فالدولة اللبنانية عضو ضمن منظّمة الأمم المتحدة وملتزمة بأنظمتها ومواثيقها، ولم تقرّر الأمم المتحدة أنّ لبنان يقوم بأعمال تخرق هذه الموجبات. بل إن الذراع العسكريّة الإيرانيّة، التي تغلغلت في الجسم اللبناني، خلال الحرب تنفذ أجندة إيرانيّة خارجة عن الشرعية اللبنانية التي حظّرت نشاطها. كما أنّ هذا القرار يتطلب موافقة تسعة ٩ أعضاء على الأقلّ، بما في ذلك موافقة الأعضاء الخمسة الدائمين.

مهما كان الجواب أو طريقة تنفيذ قرار نزع السلاح، فإنّ الثمن سيكون غاليًا مع عدم انصياع حزب الله وإصراره على القتال حتّى آخر نفس.

بقلم إيمان الشعنبي مستشارة في الجغرافيا السياسية والمراقبة الاستراتيجية بعد أربعة عشر عاماً على سقوط …

يشهد ملفّ إعادة الإعمار في لبنان انعطافة خطيرة، مع تأخّر السلطة اللبنانية عن تنفيذ تعهّداتها …

بقلم: نواف نعمان لم تعد الكويت تواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر أدوات التهدئة التقليديّة، …

على منبر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، قدّم وزير حقوق الإنسان في …

Scroll to Top