غرينلاند بين منطق الجغرافيا وحدود القانون الدولي: الواقعية السياسية في مواجهة النظام المعياري

0001002
غرينلاند بين منطق الجغرافيا وحدود القانون الدولي: الواقعية السياسية في مواجهة النظام المعياري

أعاد الجدل الأمريكي المتجدّد حول غرينلاند إلى صدارة النقاش إحدى الإشكاليّات البنيوية في العلاقات الدولية المعاصرة: التوتّر الدائم بين منطق القوة ومنطق القاعدة. فحدّة الخطاب الصادر عن واشنطن لا تعبّر عن نزعة ارتجالية أو حنين إمبراطوري، بقدر ما تعكس قراءة استراتيجية باردة لتحوّلات جيوسياسية متسارعة، تتقدم فيها الجغرافيا على الأيديولوجيا، وتفرضها عودة المنافسة بين القوى الكبرى في الفضاء القطبي.

من حيث الديموغرافيا، تظلّ غرينلاند إقليمًا محدود الثقل. غير أنّ أهميتها الحقيقية تكمن في موقعها الجغرافي، عند تقاطع الفضاءات الاستراتيجية بين أمريكا الشمالية وأوراسيا. فذوبان الجليد في القطب الشمالي لا يقتصر على أبعاده البيئية، بل يعيد رسم خرائط الحركة والتواصل والقوة: ممرّات بحرية أقصر، مسارات صاروخية أكثر مباشرة، بنى تحتية رقمية تحت بحرية حسّاسة، وفجوات مراقبة تتقلّص تدريجيًا. في هذا السياق، تتحوّل غرينلاند من هامش جغرافي إلى عقدة استراتيجية يصعب تجاهلها.

“غزو” أم دفاع؟

ضمن هذا الإطار، تقدّم الولايات المتحدة تبرير اهتمامها المتزايد بغرينلاند بوصفه استجابة دفاعية لتحوّل بيئة التهديد، لا مشروعًا توسعيًّا. وهذا ما ظهر جليًّا في عدم تحقيق أيّ انفراجة تُذكر في الإجتماع الذي عُقد في البيت الأبيض بين الإدارة الأمريكية ووزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن في 14 يناير والذي أعلن في ختام اللقاء أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصرّ على “غزو” غرينلاند. فالخطاب الأمريكي الرسمي يتجنّب لغة الضمّ أو الهيمنة، ويركّز بدلًا من ذلك على مفاهيم الوقاية الاستراتيجية وحماية الأمن القومي. ووفق هذه المقاربة، فإنّ تقلّص المسافات العسكرية في القطب الشمالي، وتزايد النشاط الروسي والصيني، يجعلان من غرينلاند منصة مركزيّة للإنذار المبكر، والدفاع الصاروخي، ومراقبة التحركات العسكرية في شمال الأطلسي. ومن هذا المنظور، يُصوَّر بقاء هذا الإقليم خارج دائرة النفوذ الأمريكي المباشر بوصفه مخاطرة استراتيجية قد تتيح لقوى منافسة استخدامه كورقة ضغط غير مباشرة على العمق الأمريكي. هكذا تُقدَّم مسألة تعزيز النفوذ في غرينلاند كإجراء وقائي يهدف – بحسب الخطاب الأمريكي – إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع عسكرة عدائية للقطب الشمالي، رغم ما يثيره هذا التبرير من إشكاليّات قانونية وسياسية.

تنطلق هذه القراءة من منطق واقعي يعتبر أنّ الفراغ الاستراتيجي خطر بحد ذاته. فالواقعية السياسية تفترض أن النظام الدولي يفتقر إلى سلطة عليا ضامنة، وأنّ الدولة تبقى الفاعل المسؤول عن أمنها وبقائها. في هذا الإطار، لا يُقاس الخطر فقط بما هو قائم، بل بما قد يتبلور مستقبلًا. وعليه، يصبح عدم التحرّك خيارًا استراتيجيًّا سلبيًّا، قد تكون كلفته أعلى من التحرّك المبكر والمحسوب.

في المقابل، يصطدم هذا المنطق بالإطار القانوني الدولي القائم. فغرينلاند، رغم تمتّعها بحكم ذاتي واسع، تظل جزءًا من مملكة الدنمارك، وتخضع لمبدأ السيادة وسلامة الأراضي. كما أنّ سكانها يتمتّعون بحقّ تقرير المصير، ما يجعل أي سيناريو لنقل السيادة دون موافقتهم الصريحة إشكاليًا من الناحية القانونية. وقد سعى القانون الدولي المعاصر، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى تجاوز منطق تداول الأراضي بوصفها أصولًا قابلة للبيع، رابطًا الإقليم بإرادة السكان لا بصفقات الدول.

القانون الدولي وخطاب الإكراه

من هنا، لم ينحصر الاعتراض الأوروبي والدولي على مضمون الفكرة بحد ذاتها، بل انصبّ أيضًا على الخطاب المصاحب لها. فالتلويح بإمكانيّة “شراء” غرينلاند، أو الإيحاء بوجود بدائل قسريّة، يعيد إلى الواجهة منطقًا يفترض أنّ النظام الدولي تجاوزَه نظريًّا. وحتى في غياب أيّ استخدام فعلي للقوة، يخلق هذا النوع من الخطاب شبهة إكراه سياسي، من شأنه إضعاف شرعية أيّ مسار تفاوضي محتمل مستقبلًا.

مع ذلك، لا يحظّر القانون الدولي من حيث المبدأ إعادة ترتيب أوضاع السيادة إذا استوفيت الشروط الإجرائية الصارمة: موافقة الدولة المعنية، تعبير حرّ وواضح عن إرادة سكان الإقليم، واتّفاق دولي شفّاف. الإشكالية إذن لا تتعلّق بالنتيجة المحتملة بقدر ما تتعلّق بالطريقة والسياق وميزان الضغط. وهنا تتجلّى “المنطقة الرماديّة” التي تتحرّك فيها القوى الكبرى، حيث يُمارَس الضغط دون فرض أمر واقع، وتُرسَل رسائل ردع دون تجاوز الخطوط القانونية الصريحة.

أما ردود الفعل الأوروبية، فرغم استنادها إلى مبادئ قانونية راسخة، تعكس أيضًا قلقًا استراتيجيًّا أعمق. فالدفاع عن القانون الدولي في هذه الحالة لا ينفصل عن واقع اعتماد أوروبي واسع على المظلّة الأمنية الأمريكية. والمفارقة أنّ أوروبا، المستفيدة من هذه الضمانات، تبدي في الوقت نفسه تحفّظًا إزاء أيّ خطاب يعيد التذكير بأنّ الأمن الجماعي يقوم في جوهره على حسابات قوة لا على اعتبارات أخلاقيّة مجردة.

تاريخيًّا، لم تكن الولايات المتحدة استثناءً في هذا النمط من السلوك. فقد لجأت، عبر مراحل مختلفة، إلى الشراء والتفاوض والضغط لتأمين مواقع تعتبرها حيويّة لأمنها، لا بدافع التوسّع الرمزي، بل بهدف منع خصومها من التمركز في نقاط حسّاسة. غير أنّ خصوصيّة اللحظة الراهنة تكمن في أنّ هذه السياسات تُمارَس في إطار نظام دولي يدّعي الالتزام الصارم بالقواعد، ما يفرض على الفاعلين الكبار الجمع بين منطق الفعل الواقعي وخطاب الشرعية القانونية.

التحرّك على حافّة الشرعيّة الدوليّة تكشف قضية غرينلاند أنّ التوتّر بين الواقعية السياسية والقانون الدولي لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح سمة بنيويّة للنظام الدولي في مرحلة إعادة التشكل الجيوسياسي. فالولايات المتحدة لا تتحرّك خارج القانون بقدر ما تختبر حدوده القصوى، حيث تتحوّل الجغرافيا إلى عامل ضغط دائم على النصوص، ويتقدّم منطق الأمن الاستباقي على الضمانات القانونية. في المقابل، يحافظ القانون الدولي على دوره بوصفه إطارًا معياريًّا يهدف إلى تأطير القوة لا إلغائها، وإبطاء اندفاعها ومنحها شرعيّة لاحقة حيثما أمكن. في هذا السياق، لا تمثّل غرينلاند نزاعًا تقنيًّا حول السيادة، بل اختبارًا لقدرة النظام القانوني على مواكبة عودة السياسة الكبرى، ولقدرة القوى الغربية على التوفيق بين خطابها القيمي وممارساتها الاستراتيجية. إنها إشارة إلى عالم لا يتخلّى عن القواعد، لكنه لم يعد يسمح لها بأن تتقدّم على الخريطة.

Scroll to Top