في سياق دولي يتّسم بتراجع منظومة الأمن الجماعي وعودة منطق القوة في العلاقات الدولية، تأتي زيارة وزير الداخلية الفرنسي الأسبق برنار كازنوف إلى جنيف، حيث يلقي كلمة في معهد فلوريمون بدعوة من جمعية أعضاء جوقة الشرف. وتكتسب هذه الزيارة دلالتها من كونها تتمّ في مدينة تُعدّ رمزًا للتعدّدية والدبلوماسية الدولية، في وقت تواجه فيه هذه القيم تحدّيات غير مسبوقة.
في مقابلة مع موقع La Tribune des Nations، قدّم كازنوف قراءة معمّقة لتطوّر التهديد الإرهابي في أوروبا، واضعًا هذا التهديد في إطار جيوستراتيجي أوسع يشمل التحوّلات الأمنية، وعودة الحروب إلى القارّة الأوروبية، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي ودولة القانون.
تراجع حدّة التهديد… لا نهايته
يرى كازنوف أنّ التهديد الإرهابي في أوروبا لم يعد بالحدّة نفسها التي عرفتها مرحلة 2015–2016، وهو تراجع يعزوه إلى الإجراءات التي اتّخذتها الدول الأوروبية والاتّحاد الأوروبي منذ عام 2014، سواءً على مستوى التشريعات أو تعزيز قدرات أجهزة الأمن والاستخبارات، أو زيادة الموارد البشرية والمالية. ويشكّل قانون الاستخبارات الفرنسي لعام 2015 مثالًا على هذا التحوّل، إذ سمح بتحديث أدوات الوقاية في مواجهة تنظيمات باتت تعتمد على وسائل اتّصال مشفّرة وعابرة للحدود.
غير أنّ هذا التراجع النسبي لا يعني، بحسب كازنوف، اختفاء التهديد. فالإرهاب بطبيعته ظاهرة متحوّلة، قادرة على إعادة التشكّل والظهور في أيّ لحظة، ما يفرض على الدول الأوروبية الحفاظ على مستوى عالٍ من اليقظة ومواصلة الاستثمار في التنسيق الأمني.
أوروبا أمام تهديدات مركّبة
يؤكّد كازنوف أنّ أوروبا لم تعد تواجه الإرهاب وحده، بل دخلت مرحلة أمنية جديدة تتقاطع فيها عدّة تهديدات: الإرهاب العابر للحدود، والتهديد السيبراني، وعودة الحرب التقليدية إلى القارّة، ولا سيّما على جناحها الشرقي في أوكرانيا. هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة الأوروبيين على الحفاظ على إطار أمني مشترك وموثوق.
في هذا السياق، يعتبر أنّ إعادة تسليح الدول وتعزيز التعاون الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي باتا أمرين لا مفرّ منهما، خصوصًا في ظلّ التشكيك المتزايد في متانة الرابط عبر الأطلسي. ومع ذلك، يظلّ الإرهاب الإسلاموي، في نظره، التهديد الأكثر مباشرةً، نظرًا لاستمرار بؤر عدم الاستقرار في مناطق مثل سوريا وأفغانستان والساحل الإفريقي، وما تحمله من قدرة كامنة على تصدير العنف إلى أوروبا.
الساحل الإفريقي: اختبار للاستراتيجية الدولية
في حديثه عن الساحل، يذكّر كازنوف بأنّ التدخل الفرنسي عام 2013 كان ضروريًّا لمنع سقوط مالي في أيدي الجماعات المتطرّفة، لكنّه يشدّد في الوقت نفسه على أنّ المقاربة الأحادية لا يمكن أن تشكّل حلًّا دائمًا. فالاستقرار في هذه المنطقة، بحسب رؤيته، يتطلّب تحمّل الدول الإفريقية لمسؤولياتها الأمنية، بدعم من قوات متعدّدة الجنسيات وإشراف أممي، بدل الاعتماد الطويل الأمد على تدخّلات خارجية.
ويحذّر من أنّ استمرار الفراغات الأمنية في الساحل لا يهدّد دول المنطقة فحسب، بل يشكّل خطرًا مباشرًا على الأمن الأوروبي، في ظل الترابط المتزايد بين مسارح الأزمات.
استخبارات أوروبية أكثر تكاملًا
على الصعيد الأوروبي، يقرّ كازنوف بتحقيق تقدّم ملموس في مجال التعاون الاستخباراتي خلال العقد الماضي. فقد أتاح تطوير أدوات مثل نظام معلومات شنغن (SIS) وسجلّ بيانات المسافرين (PNR) تبادل عشرات الملايين من المعلومات سنويًّا بين الدول الأعضاء، ما أسهم في تحسين الوقاية وتعزيز التنسيق بين أجهزة الشرطة والاستخبارات.
ويعتبر أنّ هذه البنية المشتركة جعلت العمل الأوروبي في مكافحة الإرهاب أكثر فعالية ممّا كان عليه في السابق، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى تطوير مستمرّ لمواكبة تطوّر التهديدات.
جنيف والتعدّدية في زمن التراجع
من جنيف، يعبّر كازنوف عن قلقه العميق إزاء تراجع مبادئ القانون الدولي ودولة القانون، في ظل عودة النزعات القومية والإمبريالية، حتى داخل دول ديمقراطية. ويرى أنّ بعض القوى السياسية باتت تعتقد بإمكانية الفصل بين الديمقراطية ودولة القانون، من دون المساس بالقيم الكونية، وهو ما يعدّه خطرًا بنيويًّا على السلم الدولي.
في عالم يستبدل فيه البعض القانون بالقوة، يؤكّد كازنوف أنّ دور المنظّمات الدولية لم يكن يومًا أكثر حيوية ممّا هو عليه اليوم، لأنّ غياب الأطر التعدّدية يعني عمليًّا فتح الباب أمام صراعات دائمة وغير منضبطة.
تداخل الإرهاب والجريمة المنظمة
يشدّد كازنوف على أنّ الحدود بين الإرهاب والجريمة المنظّمة باتت منذ زمن طويل حدودًا هشّة. فقد كشفت اعتداءات 2014–2016 عن شبكات متداخلة جمعت بين التمويل الإجرامي والتنظيمات الإرهابية، لا سيّما عبر الاتّجار غير المشروع بالسلاح، الذي استفاد من مخزونات أعقبت حروب البلقان.
ويذكّر بأن هذا الواقع دفعه، خلال تولّيه وزارة الداخلية، إلى العمل داخل الاتّحاد الأوروبي من أجل اعتماد تشريعات صارمة لمكافحة تهريب الأسلحة وتعزيز التعاون داخل يوروبول ويوروجست.
الأمن والحرية: معادلة لا بديل عنها
في ختام حديثه، يوجّه كازنوف رسالة واضحة إلى الأجيال الأوروبية الشابّة: إنّ السياسات الأمنية لا تُفهم إلا بوصفها أداة لحماية الحرية لا لتقويضها. فالإرهاب يسعى في جوهره إلى دفع المجتمعات الديمقراطية إلى التخلّي عن قيمها، لأنّ هذا التخلي يخلق انقسامات داخلية ويضعف القدرة على العيش المشترك. ويؤكد أنّ التحدّي الحقيقي أمام أوروبا لا يكمن فقط في مواجهة التهديدات، بل في الحفاظ على ذلك التوازن الدقيق بين الأمن والحرية، باعتباره شرطًا أساسيًّا لصون الديمقراطية. فالمعنى العميق للأمن، كما يختم، هو تمكين الأفراد من البقاء أحرارًا، لا العكس.