استهداف مطار الكويت حادث يتجاوز التصعيد الإقليمي إلى أربعة عقود من الضغوط المرتبطة بإيران

koweit
استهداف مطار الكويت حادث يتجاوز التصعيد الإقليمي إلى أربعة عقود من الضغوط المرتبطة بإيران

لم يكن استهداف مطار الكويت الدولي وأهداف أخرى داخل الأراضي الكويتيّة في سياق التصعيد الإقليمي في نهاية فبراير 2026 حادثًا معزولًا أو تطوّرًا مفاجئًا. بل يندرج ضمن مسار ممتدّ منذ أربعة عقود، تعرّضت خلاله الكويت لأنماط متغيّرة من الضغوط المرتبطة بإيران، تراوحت بين الإرهاب غير المباشر، والحرب البحريّة، والعمل الاستخباراتي، وصولًا إلى التهديد الصاروخي المباشر. وإذا كان الخطاب الإيراني في التصعيد الأخير قد ركّز على استهداف منشآت عسكريّة مرتبطة بالوجود الأمريكي، فإنّ المساس بالمطار الدولي والبنية التحتيّة الحيويّة يضع المسألة في إطار سيادي يتجاوز منطق “الردّ العسكري” إلى مسألة أمن دولة واستقرار مجتمع.

محطّات أساسيّة

لفهم ما جرى عام 2026، لا بدّ من العودة إلى الثمانينيات، حين وجدت الكويت نفسها في قلب تداعيات الحرب العراقيّة الإيرانيّة. آنذاك، تعرّضت لسلسلة تفجيرات وأعمال عنف منسوبة إلى شبكات مرتبطة بإيران. لم يكن الهدف عسكريًّا صرفًا، بل سياسيًّا وردعيًّا: رفع كلفة الانخراط الكويتي في دعم خصم طهران في تلك الحرب. ومع تصاعد ما عُرف ب”حرب الناقلات”، انتقل الضغط إلى المجال البحري، حيث استُهدفت إيران ناقلات وسفن مرتبطة بالكويت، ما دفعها إلى طلب حماية بحريّة أمريكيّة عام 1987. منذ تلك اللحظة، ترسّخ الارتباط البنيوي بين أمن الكويت ومنظومة الردع الأمريكيّة في الخليج.

بعد نهاية الحرب العراقيّة الإيرانيّة ثمّ الغزو العراقي للكويت عام 1990، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات. لم تشهد الكويت في تلك الفترة هجمات كبرى منسوبة مباشرة إلى إيران، إلا أنّ التوتّر الكامن ظلّ قائمًا. تعمّقت الشراكة الأمنيّة الكويتيّة الأمريكيّة، خصوصًا بعد دخول الجيش الأمريكي إلى العراق عام 2003 من منفذ أمّ قصر الحدودي. هذا الواقع جعل الكويت، بحكم موقعها، عنصرًا في معادلة الردع الإقليمي، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في الصراع.

من المواجهة العلنيّة إلى القدرة الكامنة

عاد التوتّر إلى الواجهة في العقد الثاني من الألفية مع قضايا تجسّس وخلايا مسلّحة أعلنت السلطات الكويتية ضبطها، أبرزها قضية “خليّة العبدلي” عام 2015. مثّلت هذه القضايا انتقالًا من نمط المواجهة العلنيّة إلى نمط “القدرة الكامنة”، أي بناء شبكات يمكن تفعيلها في لحظة تصعيد. هذا الشكل من الضغط يندرج ضمن ما يُعرف بالمنطقة الرماديّة، حيث لا تُعلن الحرب رسميًّا، لكن تُبنى أدواتها بصمت.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن التصعيد السياسي والإعلامي الذي شهدته السنوات الأخيرة من قبل جماعات عراقيّّة مسلحة محسوبة على إيران بشأن ملفّ الحدود البحريّة في خور عبدالله. فقد أعادت هذه الجماعات مؤخّرا طرح مسألة الاتّفاقيّة البحريّة بين الكويت والعراق، ورفعت خطابًا تصعيديًّا يتجاوز الأطر القانونيّة والدبلوماسيّة، متضمّنًا تهديدات ضمنيّة تمسّ بالسيادة الكويتية. ورغم أنّ ملفّ ترسيم الحدود البحريّة حُسم بقرارات دوليّة واتّفاقيات ثنائية، فإنّ إعادة تسييسه ضمن خطاب تعبوي يعكس توظيف الملفّات الحدودية كأداة ضغط سياسي. في هذا السياق، يصبح خور عبدالله ليس مجرّد ممرّ مائي، بل نقطة اختبار لميزان القوى الإقليمي، حيث تتقاطع السيادة القانونيّة مع حسابات النفوذ غير المباشر.

تداخل العسكري والمدني

في هذا السياق التاريخي المركّب، يأتي استهداف مطار الكويت وأهداف أخرى في 2026 كتطوّر نوعي. فالمطارات ليست منشآت مدنيّة فحسب، بل تمثّل رمزًا للسيادة والانفتاح الاقتصادي والاستقرار الداخلي. وأيّ تهديد للمجال الجوي المدني، حتى وإن جاء تحت عنوان استهداف منشآت عسكرية قريبة، يطرح إشكاليّات قانونيّة وأمنيّة عميقة، تتّصل بقواعد حماية المدنيّين وسلامة الملاحة الجويّة. هنا تتداخل حدود العسكري والمدني، خصوصًا مع استخدام الصواريخ الباليستيّة والمسيّرات بعيدة المدى، التي تجعل احتمالات الخطأ أو الأضرار الجانبيّة مرتفعة بطبيعتها.

أدوات متغيّرة واستراتيجيّة ثابتة

على امتداد أربعين عامًا، تغيّرت أدوات الضغط الإيراني، لكنّ المعادلة الاستراتيجيّة بقيت ثابتة: كلّما تصاعدت المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميّين أو الدوليّين، ازدادت احتمالات انكشاف الكويت للعدوان الخارجي بحكم تحالفاتها وموقعها الجغرافي. الكويت ليست خصمًا استراتيجيًا أوّل لإيران، لكنّها ليست خارج حسابات الردع أيضًا. فهي تقع بين منطقين متوازيين: منطق التحالفات الأمنيّة التي توفّر لها الحماية، ومنطق الجوار الجغرافي الذي يفرض عليها إدارة علاقة مع قوّة إقليميّة كبرى، إضافة إلى تعقيدات الساحة العراقيّة وتأثيراتها العابرة للحدود.

التحدّي الكويتي اليوم لا يقتصر على تعزيز قدراتها الدفاعيّة، بل يمتدّ إلى إدارة موقعها في بيئة إقليميّة تعود فيها سياسة القوّة بقوّة. المطلوب ليس فقط ردع أيّ اعتداء محتمل، بل أيضًا تحصين الملفّات الحدوديّة قانونيًّا ودبلوماسيًّا، وتفعيل المسارات الدوليّة عند الضرورة، وتعزيز قنوات خفض التصعيد الإقليمي، لمنع تحوّل الأراضي الكويتيّة أو ممرّاتها البحريّة إلى ساحة رسائل متبادلة بين قوى أكبر.

في المحصّلة، فإنّ استهداف مطار الكويت في 2026، والتصعيد حول خور عبدالله، ليسا فصلين منفصلين، بل تعبيران مختلفان عن اختبار مستمرّ لسيادة دولة صغيرة في بيئة إقليميّة مضطربة. والكويت، بحكم موقعها وثقلها السياسي والاقتصادي، ستظلّ مطالبة بإدارة هذا التوازن الدقيق بين الردع، والقانون الدولي، والدبلوماسيّة الوقائيّة.

تشهد الساحة اليمنية تحوّلًا بالغ الحساسية مع الضربة الجوية السعودية التي استهدفت ميناء المكلا في …

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة إحداث تحوّل جذري في المشهدين التكنولوجي والجيوسياسي العالمي، من خلال …

من الواضح أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم يكن يومًا من أنصار التعددية ولا …

أزمة الرسوم الجمركية الأمريكية على سويسرا: اختبار قاسٍ للسيادة الاقتصادية والدبلوماسية الفيدرالية في خطوة مفاجئة …

Scroll to Top