لبنان على خط الزلزال الإقليمي: الحرب الأميركية الإيرانية بين الاعتداءات الإسرائيلية والفوضى الداخلية

guerre usa iran
لبنان على خط الزلزال الإقليمي: الحرب الأميركية الإيرانية بين الاعتداءات الإسرائيلية والفوضى الداخلية

لم يكن لبنان يومًا بعيدًا عن الزلازل السياسيّة التي تضرب الشرق الأوسط، لكنه يجد نفسه اليوم مرّة جديدة في قلب عاصفة إقليميّة كبرى قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. فالحرب التي اتّخذت الطابع المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الجبهة اللبنانيّة التي تشكّل إحدى أكثر نقاط الاشتباك حساسيّة في المعادلة الاستراتيجيّة للشرق الأوسط.

في هذا السياق، لا تبدو المواجهة العسكرية الجارية مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هي نتيجة تراكمات استراتيجيّة وسياسيّة وأمنيّة تعود إلى سنوات من الصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران، والذي انتقل اليوم إلى مرحلة أكثر وضوحاً واشتباكًا.

ووجود قوى حليفة لإيران على الحدود الشماليّة لإسرائيل يجعل الجبهة اللبنانيّة جزءًا أساسيًّا من المواجهة. فهذه الجبهة تشكّل بالنسبة إلى إيران خطّ دفاع متقدّم، بينما تمثّل بالنسبة إلى إسرائيل الجبهة الأكثر حساسيّة في أمنها القومي.

مخاطر الداخل اللبناني

وسط هذه التوازنات المعقّدة، يبقى لبنان الحلقة الأكثر هشاشة في الصراع. فالدولة اللبنانية، رغم وجود مؤسسّات دستوريّة فاعلة، تواجه تحدّيًا كبيرًا في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظلّ تصاعد المواجهة الإقليميّة. فلبنان لم يفِ بتنفيذ عمليّة نزع سلاح حزب الله في إطار اتّفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى مواجهات واسعة بين إسرائيل وحزب الله برعاية أمريكيّة في 27 نوفمبر من العام 2024. وصواريخ “إسناد إيران” الستّة الأولى التي أدخلت لبنان في حرب جديدة انطلقت نحو إسرائيل في 2 مارس 2026 من منطقة جنوب الليطاني، المنطقة التي كان الجيش اللبناني قد أعلن في 8 يناير 2026 أنّها أصبحت منزوعة السلاح. كما أنّ قرار الحكومة اللبنانية بحظر أنشطة حزب الله باعتبارها خارجة على القانون وحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية بقي كذلك حبرًا على ورق، ممّا أدّى إلى تصعيد خطير تمثّل بتوغّل للقوّات الإسرائيلية في جنوب لبنان مهدّدًا بشريط حدودي جديد أوسع وخالٍ من البشر سبقته عمليّات تهجير واسعة بالإنذارات والغارات من مناطق الحزب في كلّ من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وبالرغم من تركّز الأعمال الحربيّة في مناطق نفوذ حزب الله حتى الآن، إلاّ أنّ المخاوف من استهداف مناطق أخرى تبدو مشروعة مع توجيه تهديدات واضحة وصريحة من قبل إسرائيل إلى لبنان الرسمي بتحمّله مسؤولية عدم تنفيذ القرارات وعلى رأسها نزع سلاح حزب الله، وذلك في ظلّ انقسام داخليّ عميق وضغوط على الجيش لتنفيذ هذا الأمر وصل إلى حدّ تخوين قائده العماد رودولف هيكل. هذا الإنقسام عبّر عنه رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في اجتماع عن بُعد الإثنين 9 مارس رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوّضيّة الأوروبيّة أورسولا فون دير لاين إذ قال: “هناك محاولة لحشر بلدي بين عدوان لا يعرف أيّ احترام لقوانين الحرب ولا للقوانين الدوليّة وبين فريق مسلّح خارج عن الدولة في لبنان لا يقيم أيّ وزن لمصلحة لبنان ولا لحياة شعبه.”

مخاوف أخرى

ومع استمرار الحرب التي خلّفت حتى الآن أكثر من 400 قتيل و1100 جريح، بالإضافة إلى إلى أكثر من 600 ألف نازح تفتقر غالبيّتهم إلى أبسط مقوّمات العيش، تتزايد المخاوف المتعلّقة بالنزوح بسبب الأحداث الأمنية المتنقّلة في عدد من المدن والقرى في مناطق النزوح في بيروت وجبل لبنان.

هذا النزوح، وإن كان في ظاهره إجراءً إنسانيًّا طبيعيًّا في زمن الحرب، يحمل في لبنان أبعادًا ديموغرافيّة وسياسيّة حسّاسة. فالنظام اللبناني قائم تاريخيًّا على توازنات طائفية دقيقة، وأيّ تغيير كبير ومفاجئ في توزّع السكان بين المناطق قد يثير مخاوف لدى بعض المكوّنات المحليّة. فمناطق عدّة في جبل لبنان تتميّز تاريخيًّا بتركيبة ديموغرافيّة خاصّة، ومع تدفّق أعداد كبيرة من النازحين إليها، بدأت تظهر تساؤلات حول مدى تأثير هذا الواقع الجديد على التوازنات الاجتماعيّة والطائفيّة في تلك المناطق، خصوصًا إذا طال أمد الحرب وتحوّل النزوح المؤقت إلى إقامة طويلة. كما أنّ النزوح المفاجئ يضع البنية التحتيّة المحليّة تحت ضغط كبير، سواء في ما يتعلّق بالسكن أو المدارس أو الخدمات الصحّيّة، وهو ما قد يخلق توتّرات اجتماعيّة إذا لم تتمّ إدارته كما يجب.

سيناريوهات اليوم التالي

لا يمكن فصل مستقبل لبنان عن محيطه، فدول الخليج العربي وفي مقدّمتها المملكة العربيّة السعوديّة، التي تلعب دورًا أساسيًّا في دعم الإقتصاد اللبناني وفي إعادة الإعمار المرتقبة والمشروطة بتنفيذ الشروط الدوليّة، ليست بمنأى عن هذه الحرب، بل مستهدَفة فيها بواسطة الصواريخ الإيرانية. أمّا فرنسا والدول الأوروبية فتتابع بقلق الوضع في لبنان خشية انعكاس أيّ انهيار جديد على أمن الشرق الأوسط أو موجات الهجرة نحو أوروبا. وبالتالي فإنّ مستقبل العلاقات اللبنانيّة مع كلّ من هذه الدول تحدّدها شكل الدولة اللبنانيّة التي ستخرج من هذه الحرب.

وفي ما لا يظهر حتى الآن أيّ ضوء في نفق هذه الحرب، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسيّة لمستقبل لبنان في مرحلة ما بعدها:

السيناريو الأول يتمثّل في احتواء المواجهة ضمن إطار إقليمي محدود، حيث تنجح الضغوط الدوليّة في منع تحوّل الصراع إلى حرب شاملة، ما يسمح بعودة نوع من التوازن العسكري المضبوط على الجبهة اللبنانيّة وعودة تدريجيّة للنازحين إلى مناطقهم.

أمّا السيناريو الثاني فيقوم على احتمال التوصّل إلى تسوية إقليميّة أوسع تشمل الملفّ النووي الإيراني وترتيبات أمنيّة جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس على لبنان عبر تعزيز دور الدولة وإعادة ترتيب التوازنات الداخليّة.

في المقابل، يبقى السيناريو الثالث الأكثر خطورة، ويتمثّل في توسّع الحرب لتتحوّل إلى مواجهة إقليميّة شاملة، ما قد يؤدّي إلى موجات نزوح أكبر وتغييرات ديموغرافيّة أعمق قد تؤثّر على التوازنات الداخلية الحسّاسة في لبنان، ويدخله مرّة جديدة في المجهول. في المحصّلة، يقف لبنان اليوم عند تقاطع صراعات إقليمية ودوليّة تتجاوز قدرته على التأثير المباشر فيها. فالحرب الجارية ليست مجرّد مواجهة عسكريّة جديدة، بل لحظة مفصليّة قد تعيد رسم الخريطة الجيوسياسيّة للشرق الأوسط. وفي ظلّ هذه التحولات الكبرى، يبقى التحدّي الأساسي أمام الدولة اللبنانيّة هو حماية الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى فوضى قد تجعلها مرّة أخرى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، مع الحفاظ في الوقت عينه على التوازن الاجتماعي الدقيق الذي قام عليه الكيان اللبناني منذ نشأته.

يشهد الدور الأمريكي في لبنان نقطة تحوّل بارزة في ظلّ التطوّرات السياسية العسكرية في الشرق …

منذ الحرب العالمية الثانية، درجت السياسة الأمريكية على ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”عقيدة الرئيس”، …

استحوذ اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس السلطة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع …

في الأروقة الهادئة لمقرّات الأمم المتحدة في جنيف، لم تعد الثقة على حالها، ولا الدبلوماسية …

Scroll to Top