دونالد ترامب: عامٌ واحد من السلطة والقطيعة الاستراتيجيّة

Boussois
دونالد ترامب: عامٌ واحد من السلطة والقطيعة الاستراتيجيّة

بقلم سيباستيان بوسوا، مؤلّف كتاب  )دونالد ترامب، عودة إلى المستقبل( :

بعد عامٍ واحد على عودته إلى البيت الأبيض، أعاد دونالد ترامب تشكيل موازين القوى الدوليّة على نحوٍ عميق. في أوروبا، تتراوح ردود الفعل بين الاستنكار والصدمة، كاشفةً في جوهرها عن عجزٍ استراتيجي. يُنتقَد ترامب باستمرار، لكن من دون طرح رؤية بديلة ذات مصداقيّة، وذلك أساسًا لأنّ أوروبا تفتقر إلى القدرة على قلب ميزان القوى. يهيمن الانفعال على النقاش، لكنّه يحجب حقيقة مركزيّة: الولايات المتحدة استعادت زمام المبادرة، فيما بقيت أوروبا في موقع التبعيّة والتردّد.

التحوّل الأبرز في هذا العام الأول ليس مجرّد أسلوب ترامب الخشن، بل تحوّله العقائدي. فمع أنه انتُخب على برنامج مناهض للتدخّل الخارجي، أبدى استعدادًا للتحرّك في مسارح متعددة، من فنزويلا إلى إيران، مرورًا بكوبا وحتى غرينلاند. لا يعني ذلك عودةً إلى المثاليّة الأمريكية أو تصدير الديمقراطيّة، بل هو “تدخّل أمني” يُقدَّم بوصفه امتدادًا لحماية الأراضي الأمريكية خارج حدودها. ويشكّل إسقاط نيكولاس مادورو المثال الأوضح: إذ تعاملت واشنطن معه لا كرئيس دولة شرعي، بل كمحور شبكة مخدرات تمثّل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.

في هذا السياق، برزت “قواعد لغوية” استراتيجية جديدة، كثيرًا ما يُشار إليها بـ”عقيدة دونرو”. فقد أحيا ترامب منطق “عقيدة مونرو”، لكن بصيغة أكثر قسرية: إعادة تأكيد مجال نفوذ في نصف الكرة الغربي ومنع الصين وروسيا وإيران من ترسيخ وجودها فيه. تندرج فنزويلا وكوبا وحتى غرينلاند ضمن هذا الإطار. ويتصرّف ترامب باسم الأمن القومي، حتى لو تطلّب ذلك تحدّي القانون الدولي وإرباك الحلفاء.

وعلى خلاف الصور الكاريكاتورية، ليس ترامب رئيسًا سلبيًّا. إنه يحكم عبر صدمات إدارية، وضغوط اقتصادية، واستعراضات قوة. هذا الإيقاع يوسّع الفجوة مع أوروبا التي تكافح لمواكبته. وهو لا يؤسّس لديكتاتورية، بل لنمط حكم قائم على الحزم يلقى صدى قويًّا لدى قاعدته، لا سيّما في ملفّي الهجرة ومكافحة عصابات المخدّرات. وقد تغيّرت طبيعة العلاقة العابرة للأطلسي: لم تعد تلقائيّة، بل تعاقديّة. لن يدفع ترامب ثمن أمن أوروبا أو أوكرانيا إذا لم تتحمّل أوروبا مسؤوليّاتها. إنه يريد شركاء نافعين، لا تابعين.

اقتصاديًّا، يفضّل ترامب الرسوم الجمركية والعقوبات وتسليح الدولار على الصراع العسكري. هدفه واضح: تقليص العجز التجاري وإعادة تصنيع أمريكا. ولا تزال هذه المقاربة الصارمة فعّالة سياسيًّا، في الوقت الراهن على الأقلّ. ثقافيًّا، يخوض ترامب حربًا ضد ما يراه هيمنة أيديولوجيّة تقدميّة في الجامعات ووسائل الإعلام. الصراع هنا حضاري بقدر ما هو جيوسياسي؛ إذ تصبح الهوية الأمريكية المنظار الذي تُقاس من خلاله كل السياسات، بما فيها السياسة الخارجية.

قبل كل شيء، يؤمن ترامب بالسيادة المادية: الطاقة، والمعادن الحرجة، والممرات التجارية، والتكنولوجيا. وهذا ما يفسّر تحرّكاته في أمريكا اللاتينية والقطب الشمالي. وحتى مسألة غرينلاند متجذّرة في منطق السيطرة على الموارد والمسارات الاستراتيجية. وهو أيضًا أحاديّ النزعة بلا مواربة؛ فالتعدّدية، في نظره، مكلفة وغير فعّالة. ويجسّد إسقاط مادورو هذا التوجّه: التحرّك منفردًا أو مع عدد محدود من الشركاء بدل البحث عن إجماع دولي مُشلّ. كما يخاطب ترامب “الجنوب العالمي” بلغة مختلفة عن أوروبا: فبينما تُؤنّب بروكسل أخلاقيًّا شركائها في الجنوب، تتفاوض واشنطن على صفقات واستثمارات وترتيبات أمنية، ما يفتح أبوابًا كثيرًا ما يعجز الأوروبيون عن دخولها. والأهمّ أنّ ترامب يتجنّب الحروب الطويلة؛ فهو يفضّل عمليات محدودة وسريعة وقابلة للفهم سياسيًّا. هذا هو جوهر “تدخّله الأمني”: تحييد التهديدات بدل إعادة تشكيل المجتمعات.

بعد عام واحد، تبدو الحصيلة مختلطة. فقد عزّز ترامب القوة الأمريكية وأعاد تموضع الولايات المتحدة في قلب المنافسة التكنولوجية والصناعية. لكنّه في المقابل أضعف النظام متعدد الأطراف وأبعد بعض الحلفاء التاريخيين. وتبقى الحقيقة الحاسمة: لم تعد أمريكا تسعى إلى إنقاذ العالم، بل إلى إنقاذ نفسها. وفي بيئة عالمية أشد قسوة وتنافسًا، يرى ترامب أنّ التقاعس يساوي الهزيمة.

بالنسبة لأوروبا، التحدّي وجودي. فهل يمكنها الاستمرار في الاحتماء بالتعدّدية والخطاب الأخلاقي من دون بناء قوة عسكرية وطاقية وصناعية حقيقية؟ إن لم تُجهّز نفسها بوسائل ذات مصداقية، فلن تكون فاعلًا بل متفرّجًا. سواء أحببناه أم لا، فإن ترامب يُخرج أوروبا من منطقة راحتها. لم يعد السؤال يتعلّق بالموافقة عليه من عدمها، بل بما إذا كانت أوروبا مستعدّة لأن تصبح سيّدة نفسها حقًّا. ففي عالم مقبل، لن تكفي المبادئ من دون قوة.

Scroll to Top