في خضم التحوّلات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، برز الدور التركي خلال العقد الأخير كأحد أكثر العوامل إرباكًا للتوازنات الإقليمية. فتركيا ليست قوة مهيمنة قادرة على فرض نظام بديل، لكنّها في المقابل لم تعد لاعبًا تابعًا للترتيبات التي تقودها الولايات المتحدة أو إسرائيل. هذا الموقع الوسيط، بين الطموح والقيود، يجعل من أنقرة قوة تحدٍّ غير متكافئ، قادرة على تعطيل الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية دون القدرة على استبدالها.
قوة متوسّطة بطموحات كبيرة
تعتمد السياسة الإقليمية التركية على مزيج من الأدوات العسكرية، والضغط السياسي، والمناورة الدبلوماسية. غير أنّ هذه السياسة تصطدم بحدود بنيوية واضحة: إقتصاد يعاني من تضخم مرتفع وهشاشة نقدية، إعتماد على مصادر طاقة خارجية، وتراجع في جاذبية النموذج السياسي داخليًّا وإقليميًّا. هذه القيود تجعل من الصعب على تركيا التحوّل إلى قوة قيادية مستقرّة، لكنّها لا تمنعها من لعب دور المُعطِّل في بيئة إقليمية تعاني أصلًا من فراغ استراتيجي.
واشنطن: إرباك الحليف لا مواجهة القائد
لا تسعى تركيا إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنّها تعمل على إعادة تعريف علاقتها بها خارج منطق الطاعة الاستراتيجية. فكونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي لا يمنعها من انتهاج سياسات تتعارض مع أولويّات واشنطن، سواءً عبر شراء منظومات دفاع روسية، أو عبر تنسيق تكتيكي مع موسكو في ملفّات إقليمية حسّاسة.
هذا السلوك لا يهدّد التفوّق العسكري الأمريكي، لكنّه يضرب أحد أسس الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط: إدارة المنطقة عبر شبكة من الحلفاء القابلين للتنبّؤ. التدخّلات التركية في شمال سوريا والعراق قوّضت رهانات أمريكية على قوى محلية حليفة، وأجبرت واشنطن على التوفيق بين أطراف متصارعة داخل المعسكر نفسه.
بذلك، تتحوّل تركيا إلى عامل يرفع كلفة القيادة الأمريكية، ويكشف محدودية قدرة واشنطن على فرض الانضباط حتى داخل تحالفاتها التقليدية.
إسرائيل: صراع النفوذ والشرعية
في ما يتعلّق بإسرائيل، لا يأخذ التحدّي التركي طابعًا عسكريًّا مباشرًا. فميزان القوى التقليدي يميل بوضوح لصالح إسرائيل، المدعومة أمريكيًّا. غير أنّ الصراع هنا يتمحور حول النفوذ السياسي والشرعية الإقليمية.
تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى ترسيخ نموذج يقوم على التطبيع الأمني والتكنولوجي مع محيطها العربي، إذ أنّها تعتقد بأنّه بديلٌ عن تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية. في هذا السياق، تمثّل تركيا عنصر إرباك، إذ تطرح نفسها كقوة إقليمية ترفض هذا المسار، وتتبنّى خطابًا داعمًا للفلسطينيين، ما يمنحها حضورًا رمزيًّا في الرأي العام العربي والإسلامي.
هذا الدور لا يغيّر موازين القوة العسكرية، لكنّه يحدّ من قدرة إسرائيل على تقديم نفسها كفاعل “طبيعي” في الإقليم، ويُضعف سردية الاستقرار التي ترافق مسار التطبيع.
سوريا: الساحة الأكثر تعقيدًا
تشكّل الساحة السورية نقطة التقاء وتضارب بين المصالح التركية والأمريكية والإسرائيلية. فتركيا تركّز على منع نشوء كيان كردي مستقلّ على حدودها، حتى لو تعارض ذلك مع حسابات واشنطن في مرحلة ما بعد تنظيم “داعش”. وفي الوقت نفسه، لا تنسّق أنقرة مع إسرائيل في استهداف الوجود الإيراني، لكنّها تؤثّر بشكل غير مباشر على توازنات الميدان.
هذا الموقع الوسيط يجعل من تركيا عامل عدم استقرار إضافي، لا لأنّها تسعى لفرض هيمنتها، بل لأنّها ترفض الانخراط الكامل في أيّ محور قائم.
الجغرافيا الاقتصادية سلاح استراتيجي
إلى جانب الأبعاد العسكرية والسياسية، يتجلّى صراع القوة في المنطقة بشكل متزايد عبر الممرّات التجارية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود. فالمبادرات المدعومة أمريكيًّا، وعلى رأسها مشروع الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)تعكس محاولة لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية بما يعزّز موقع إسرائيل كمحور لوجستي، ويربط الخليج بالمتوسّط متجاوزًا تركيا.
يُنظر إلى هذا التوجّه في أنقرة كإقصاء “جيو اقتصادي” مباشر، يهدّد دورها التاريخي كجسر بين آسيا وأوروبا. وردّ الفعل التركي لم يكن عبر مشروع منافس مكتمل، بل عبر توظيف موقعها الجغرافي وقدراتها في البنية التحتية، إضافة إلى أدوات الضغط السياسي والأمني، لتعقيد تنفيذ هذه الممرّات. وهكذا، تتحوّل التجارة واللوجستيّات إلى ساحة صراع غير معلنة، حيث تُستخدم الجغرافيا الاقتصادية كسلاح استراتيجي لا يقلّ تأثيرًا عن القوة العسكرية.
شرق المتوسّط: صراع على قواعد اللعبة
في شرق المتوسّط، يتّخذ الصراع بعدًا جيوسياسيًّا واقتصاديًّا. فقد رُسمت ترتيبات طاقة وأمن إقليمي من دون إشراك تركيا، بدعم أمريكي، وبمشاركة إسرائيل، واليونان وقبرص. ردّ أنقرة لم يكن بناء منظومة بديلة مكتملة، بل استخدام أدوات الضغط البحرية والقانونية والعسكرية لمنع تثبيت واقع إقصائي.
مرّة أخرى، لا تقود تركيا نظامًا جديدًا، لكنّها ترفض القبول بنظام يُفرض عليها، ما يحوّلها إلى لاعب قادر على التعطيل أكثر من البناء.
قوة إرباك في نظام إقليمي مأزوم
في المحصّلة، لا تشكّل تركيا تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنها تمثّل تحدّيًا وظيفيًّا لاستراتيجياتهما. فهي تكشف هشاشة نظام إقليمي يعتمد على التفوّق العسكري وإدارة الأزمات بدل معالجتها، وتُظهر أنّ مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي الجزئي من المنطقة لم تنتج استقرارًا، بل تنافسًا بين قوى متوسّطة متوتّرة.
وتركيا اليوم ليست قوة مهيمنة، لكنّها أيضًا لم تعد لاعبًا هامشيًّا. إنها قوة متوسّطة قلِقة، تستخدم موقعها الجغرافي وثقلها العسكري لتعطيل ترتيبات لا تخدم مصالحها، ما يجعلها عنصر ضغط مستمرّ على الولايات المتحدة وإسرائيل. والتحدّي الحقيقي الذي تفرضه أنقرة لا يكمن في قدرتها على الانتصار، بل في قدرتها على منع الآخرين من تحقيق انتصار مستقرّ.