الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب أزمة المياه العالميّة: هل تتحوّل ندرة المياه إلى التهديد الجيوسياسي الأكبر في المنطقة؟

eau
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب أزمة المياه العالميّة: هل تتحوّل ندرة المياه إلى التهديد الجيوسياسي الأكبر في المنطقة؟

تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدة من أخطر الأزمات الوجوديّة في القرن الحادي والعشرين، مع تصاعد أزمة المياه إلى مستويات غير مسبوقة تهدّد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وبحسب المعطيات الدوليّة، أصبحت المنطقة اليوم تمثّل مركز الثقل العالمي لأزمة الشحّ المائي.

ورغم أنّ المنطقة تضمّ نحو 6% من سكان العالم، فإنّها لا تمتلك سوى 1% فقط من الموارد المائيّة العذبة، فيما تُصنَّف 12 دولة من أصل 17 دولة الأكثر إجهادًا مائيًّا في العالم ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا الواقع يجعل المياه اليوم قضيّة أمن قومي واستقرار استراتيجي، لا مجرّّد تحدٍّ بيئي أو تنموي.

وتشير التقديرات إلى أنّ الطلب على المياه في المنطقة قد يتجاوز حجم الموارد المتاحة بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2030، في وقت تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن النمو السكّاني، والتوسّع الحضري، والتغيّر المناخي، وتراجع معدّلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة. أمّا بحلول عام 2050، فقد يؤدّي الإجهاد المائي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لبعض دول المنطقة بنسبة قد تصل إلى 14%، ما ينذر بخسائر اقتصاديّة هائلة قد تفاقم البطالة والهجرة وعدم الاستقرار الاجتماعي.

المياه والطاقة أزمتان مترابطتان

ولا تنفصل أزمة المياه عن أزمة الطاقة، إذ ترتبط عمليّتا إنتاج المياه وتوليد الكهرباء بعلاقة عضويّة معقّدة، خصوصًا في الدول الخليجيّة التي تعتمد بشكل شبه كامل على تحلية مياه البحر. فعمليّات التحلية التقليديّة تستهلك كميّات ضخمة من الطاقة، ما يرفع الكلفة الاقتصاديّة والبيئيّة في آنٍ واحد. ولهذا، يبرز التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة كخيار استراتيجي لا مفرّ منه، حيث يمكن لتقنيّات التحلية المعتمدة على الطاقة الشمسيّة وطاقة الرياح أن تخفّض تكاليف الإنتاج بنسبة تصل إلى 60%.

وتُعتبر تحلية المياه بالطاقة الشمسيّة اليوم من أبرز الحلول المستقبليّة المطروحة لمعالجة أزمة المياه في الشرق الأوسط، نظرًا لما تمتلكه المنطقة من معدّلات سطوع شمسي تُعدّ من الأعلى عالميًّا. وتعتمد هذه التقنيّة على تشغيل محطّات التحلية باستخدام الكهرباء المنتجة من الألواح الشمسيّة أو عبر الطاقة الشمسيّة الحراريّة، ما يخفّف الاعتماد على الوقود الأحفوري ويحدّ من الانبعاثات الكربونيّة.

وقد بدأت عدّة دول خليجيّة الاستثمار بقوّة في هذا المجال، حيث تسعى المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة إلى دمج مشاريع التحلية العملاقة مع مشاريع الطاقة الشمسيّة ضمن خطط التحوّل الاقتصادي والطاقة النظيفة. كما يجري تطوير تقنيّات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل الهدر في شبكات المياه.

بنية تحتيّة هشّة

غير أنّ الحرب الأخيرة والتصعيد الإقليمي كشفا أيضًا هشاشة البنية التحتيّة المائيّة في الخليج العربي، بعدما طالت الاعتداءات الإيرانيّة منشآت حيويّة مرتبطة بإنتاج المياه والطاقة، بما في ذلك معامل ومحطّات التقطير والتحلية. وأعاد ذلك تسليط الضوء على خطورة الاعتماد المفرط على عدد محدود من المنشآت المركزيّة الضخمة، خصوصًا في الدول التي تعتمد بشكل شبه كامل على التحلية لتأمين مياه الشرب.

كما أثبتت هذه التطورّات أنّ الأمن المائي لم يعد قضيّة تنمويّة أو بيئيّة فحسب، بل أصبح جزءًا أساسيًّا من معادلات الأمن القومي والدفاع الاستراتيجي. فاستهداف محطّات التحلية خلال الأزمات قد يؤدّي خلال أيّام قليلة إلى أزمات إنسانيّة واقتصاديّة واسعة النطاق، ما يزيد من ضرورة الإسراع في تطوير حلول بديلة أكثر مرونة واستدامة، مثل محطّات التحلية اللامركزيّة المعتمدة على الطاقة الشمسيّة، وأنظمة التخزين الذكي، وربط شبكات المياه والطاقة بمنظومات حماية متقدّمة.

لكن رغم الإمكانات الكبيرة لهذا الخيار، لا تزال هناك عوائق أساسيّة تحدّ من التوسّع السريع في تحلية المياه بالطاقة الشمسيّة. فالكلفة الأوّليّة لإنشاء المحطّات والبنية التحتيّة لا تزال مرتفعة، خصوصًا في الدول ذات الموارد الماليّة المحدودة. كما أنّ تقنيّات التخزين الكهربائي اللازمة لضمان استمراريّة التشغيل خلال الليل أو في الظروف المناخيّة الصعبة ما تزال مكلفة ومعقّدة تقنيًّاً

إضافة إلى ذلك، تواجه المنطقة تحدّيات مرتبطة بصيانة الألواح الشمسيّة في البيئات الصحراويّة، حيث تؤدّي العواصف الرمليّة والغبار ودرجات الحرارة المرتفعة إلى تراجع كفاءة الإنتاج وزيادة تكاليف التشغيل والصيانة. كما تبقى مشكلة تصريف المحلول الملحي الناتج عن التحلية من أبرز التحدّيات البيئيّة، إذ قد يؤدّي التخلّص غير المدروس منه إلى الإضرار بالنظم البيئيّة البحريّة وارتفاع ملوحة المياه الساحليّة.

هيمنة الصين مشكلة متنامية

ويضاف إلى هذه التحدّيات عامل جيوسياسي متزايد الأهميّة يتمثّل في هشاشة سلاسل الإمداد العالميّة الخاصّة بالتكنولوجيا المتقدّمة والموادّ المستخدمة في صناعة الألواح الشمسيّة والبطّاريّات. فالصين تُهيمن اليوم بشكل شبه كامل على صناعة الألواح الشمسيّة عالميًّا، وتنتج ما بين 75% و85% من مكوّنات سلاسل التوريد الخاصّة بالطاقة الشمسيّة، من السيليكون والرقائق والخلايا، وصولاً إلى الألواح النهائيّة.

ويُنظر إلى هذه الهيمنة الصينيّة باعتبارها قضيّة استراتيجيّة متنامية، خصوصًا مع تصاعد التوتّر بين الولايات المتّحدة والصين حول أمن سلاسل الإمداد والطاقة النظيفة. ولذلك، بدأت عدة دول غربيّة بدعم إنشاء مصانع محلّية لتقليل الاعتماد على بكين، خشية تحوّل الطاقة الشمسيّة إلى أداة نفوذ جيوسياسي مشابهة لما تمثّله بعض الموادّ الخام ومصادر الطاقة التقليديّة.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنّ المنطقة تحتاج إلى استثمارات تتجاوز 500 مليار دولار خلال العقود المقبلة، لضمان الأمن المائي وبناء منظومات مستدامة قادرة على مواجهة التغيّر المناخي. ويبرز هنا دور الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والسندات الخضراء، والصكوك الإسلاميّة، كأدوات تمويليّة يمكن أن تساهم في تسريع مشاريع المياه والطاقة النظيفة.

التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجيّة

كما تفرض طبيعة الموارد المائيّة المشتركة نفسها بقوّة على المعادلة الجيوسياسيّة، خصوصًا في ظلّ التوتّرات المرتبطة بأحواض الأنهار العابرة للحدود مثل النيل ودجلة والفرات والأردن. فالمياه، كما يؤكّد الخبراء، لا تعترف بالحدود السياسيّة، ما يجعل التعاون الإقليمي شرطًا أساسيًّا لتجنّب صراعات مستقبليّة قد تكون أكثر تعقيدًا من النزاعات التقليديّة.

وفي ظلّ تصاعد الأزمات الجيوسياسيّة والحروب في المنطقة، تبدو أزمة المياه مرشّحة للتحوّل إلى أحد أهمّ العوامل التي ستعيد رسم موازين القوى والاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة. فالدول القادرة على تأمين أمنها المائي عبر التكنولوجيا والطاقة المتجدّدة والاستثمارات طويلة الأمد ستتمتّع بهامش أكبر من الاستقرار والسيادة الاقتصاديّة.

وفي النهاية، تبدو الأدوات الماليّة والتكنولوجيّة اللازمة لمعالجة الأزمة متوافرة بالفعل، لكن ما ينقص المنطقة اليوم هو الإرادة السياسيّة والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجيّة بعيدة المدى، قبل أن تتحوّل أزمة المياه إلى تهديد وجودي شامل، يتجاوز الاقتصاد ليطال الأمن والاستقرار الإقليمي بأكمله.

شهد العراق إنتخابات برلمانية في 11 نوفمبر وُصفت بالمصيرية، بالرغم من أنّها لم تتضمّن مفاجآت …

بقلم سيباستيان بوسوا، مؤلّف كتاب  )دونالد ترامب، عودة إلى المستقبل( : بعد عامٍ واحد على …

في سياق دولي يتّسم بتراجع منظومة الأمن الجماعي وعودة منطق القوة في العلاقات الدولية، تأتي …

Scroll to Top